۞ التبيان في تفسير القرآن

سورة المطففين، آية ٧

التفسير يعرض الآيات ٧ إلى ١٧

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن تفسير شبر التبيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

كـَلَّآ إِنَّ كِتَٰبَ ٱلۡفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٖ ٧ وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا سِجِّينٞ ٨ كِتَٰبٞ مَّرۡقُومٞ ٩ وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ١٠ ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ ١١ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِۦٓ إِلَّا كُلُّ مُعۡتَدٍ أَثِيمٍ ١٢ إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٣ كـَلَّاۖ بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٤ كـَلَّآ إِنَّهُمۡ عَن رَّبِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ لَّمَحۡجُوبُونَ ١٥ ثُمَّ إِنَّهُمۡ لَصَالُواْ ٱلۡجَحِيمِ ١٦ ثُمَّ يُقَالُ هَٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ١٧

۞ التفسير

التبيان في تفسير القرآن

قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ، كِتَابٌ مَّرْقُومٌ، وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ، الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ، وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ، إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ، كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ، ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾

القراءة:

روى حفص عن عاصم والمسيبئ إلا هبة (بل ران) باظهار اللام. الباقون بالادغام. وأمال أهل الكوفة إلا الأعشى والبرجمي (ران) قيل في أصل قوله (كلا) قولان:

أحدهما: إنها كلمة واحدة من غير تركيب وضعت المردع والزجر، وجرى ذلك مجرى الأصوات من نحو (صه، ومه) وما أشبههما

والثاني: أن يكون الكاف للتشبيه دخلت على (لا) وشددت للمبالغة في الزجر مع الايذان بتركيب اللفظ. ومعنى الآية ارتدعوا أيها الكفار والعصاة وانزجروا عن المعاصي معاشر الكفار، ليس الامر على ما تظنون بل (إن كتاب الفجار) يعني كتابهم الذي نبتت أعمالهم من المعاصي والفجور (لفي سجين) قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعني في الأرض السابغة السفلى، وهو قول الضحاك. وقال مجاهد: تحت صخرة في الأرض السابعة السفلى، وروي في الخبر أن (سجين) جب في جهنم. وقال أبو عبيدة: سجين شديد، وأنشد: ضربا تواصى به الابطال سجينا ( 1 ) يعني شديدا، فكأنه كشدة السجن، ويكون معناه شديد عذابه. وقيل: السجين هو السجن على التخليد فيه، فهو (فعيل) من سجنته أسجنه سجنا، وفيه مبالغة، كما يقال: شريب من الشرب، وسكير من السكر، وشرير من الشر. وقيل: الوجه في جعل كتاب الفجار في سجبن أن تخليده فيه يقوم مقام التقريع وإن عقابهم لا يفنى ولا يبيد كما لا يفنى كتاب سيئاتهم ولا يبيد، ثم قال على وجه التعظيم والتفخيم و (ما أدراك ما سجين) أي تفصيله لا تعلمه وإن علمته مجملا. ثم قال مفسرا لذلك (كتاب مرقوم) فالرقم طبع الخط بما فيه علامة لامر يقال: رقمه يرقمه رقما فهو راقم والشئ مرقوم ومنه قمت الثوب بعلامة لئلا يختلط، والمعنى إن هذا الكتاب الذي هو في السجن كتاب قد كتب فيه جميع أفعاله من المعاصي والكفر. ثم قال (ويل يومئذ للمكذبين) فهو تهديد لمن كذب بيوم الجزاء ولم يصدق بصحة الخبر بكونه، ثم فسر من عنى من المكذبين، فقال (الذين يكذبون بيوم الدين) يعني يوم الجزاء، وهو يوم القيامة، لان من كذب بالباطل وجحده لا يتوجه إليه الوعيد بل هو ممدوح فلو أطلق كان فيه إبهام. ثم قال (وما يكذب به) أي ليس يكذب بيوم الجزاء (الا كل معتد أثيم) فالمعتدي المتجاوز الحق إلى الباطل، يقال: اعتدى اعتداء، فهو معتد. والعادي الخارج عن الحق، عدا يعدو عدوانا وأصله مجاوزة الحد ومن ذلك العداوة وهي مجاوزة الحد في الابغاض، والعدو مجاوزة الحد في اسراع المشي، والأثيم مكتسب القبيح أثم يأثم إثما فهو آثم وأثيم وأثمه تأثيما إذا نسبه إلى الاثم، وتأثم من فعل كذا كقولك تحرج منه للإثم به وقال قتادة: أثيم في مريته، ثم وصف المعتدي الأثيم، فقال (إذا تتلى عليه آياتنا) أي إذا قرئت عليه حجج الله من القرآن وما فيه من الأدلة (قال أساطير الأولين) فواحد الأساطير أسطورة مثل أحدوثة وأحاديث. وقيل: معناه أباطيل الأولين. وقيل: معناه هذا ما سطره الأولون أي كتبوه، ولا أصل له. ثم قال تعالى (كلا بل ران على قلوبهم) معناه ليس الامر على ما قالوه بل غلب على قلوبهم يقال منه: رانت الخمر على عقله ترين رينا إذا سكر فغلبت على عقله، فالرين غلبة السكر على القلب. قال أبو زبيد الطائي:

ثم لما رأوه رانت به الخمر * وإن لا يرينه بالقاء

أي مخافة يسكر، فهي لا تبقيه وقال الراجز:

لم تروحني نكرت ورين بي * ورين بالسافي الذي أمسى معي

وقال الحسن: وقتادة: الرين الذنب على الذنب حتى يموت القلب. وقال ابن زيد: غلبت الذنوب على القلوب، فلا يخلص إليها خير العلوم. وقيل: معنى (ران) غطى وعشى. وقوله (ما كانوا يكسبون) (ما) في موضع رفع، لأنها الفاعلة لران وما يكسبون يعني من المعاصي، لان الطاعات وان كسبوها فما رانت على قلوبهم قال البلخي: وفي ذلك دلالة على صحة ما يقوله أهل العدل في تفسير الطبع والختم والاضلال، لأنه تعالى اخبر انهم الذين يجعلون الرين على قلوبهم. ثم قال (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) قال الحسن وقتادة: هم محجوبون عن احسانه. وقيل: عن كرامته. وقيل: لممنوعون. وأصل الحجب المنع. ومنه قولهم: الاخوة تحجب الام عن الثلث إلى السدس. ثم بين تعالى ما يفعل بهم فقال (ثم إنهم لصالوا الجحيم) ومعناه لازموا الجحيم بكونهم فيها لا يغيبون عنها يقال: صلى بالنار يصلي صليا، فهو صال والمصطلي الملازم للنار للتدفي بها. ثم حكى انه يقال لهم على وجه التقريع والتبكيت: هذا الذي فعل بكم من العقاب (هو الذي كنتم به تكذبون) في دار التكليف، وإنما سمي مثل هذا الخطاب تقريعا لأنه خبر بما يقرع بشدة الغم على وجه الذم، فكل خبر على هذا الوصف فهو تقريع وتوبيخ.

1 - مر في 6 / 45.