قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾
القراءة:
قرأ " اخشوني " بياء في الوصل أهل البصرة وأبو جعفر، وإسماعيل، ويقف يعقوب بالياء. أخبر الله تعالى أنه الذي أنزل التوراة فيها هدى أي بيان أن أمر النبي حق وأن ما سألوك عنه في حكم الزانيين حق، والقود حق " ونور " يعني فيها جلاء ما أظلم عليهم وضياء ما التبس عيلهم " يحكم بها النبيون الذين اسلموا " يعني يحكم بالتوراة النبيون الذين أذعنوا بحكم الله وأقروا به. وقال الحسن وقتادة وعكرمة والزهري والسدي: إن النبي صلى الله عليه وآله داخل في ذلك، بل قال أكثرهم: هو المعني بذلك لما حكم في رجم المحصن، ولا يدل ذلك على أنه كان متعبدا بشرع موسى (ع) لان الله تعالى هو الذي أوجب عليه بوحي أنزل عليه لا بالرجوع إلى التوراة فصار ذلك شرعا له وإن وافق ما في التوراة وإنما نبه اليهود بذلك على صحة نبوته من حيث علم ما هو من غامض علم التوراة ومما قد التبس على كثير منهم وهو قد عرف ذلك من غير قراءة كتبهم، والرجوع إلى علمائهم، فلم يكن ذلك إلا باعلام الله له ذلك وذلك من دلائل صدقه (صلى الله عليه وآله). وقوله: " للذين هادوا " العامل في (الذين) أحد شيئين:
أحدهما: (يحكم) في قول الزجاج وأبي علي وجماعة من أهل التأويل.
الثاني: قال قوم العامل (أنزلنا) كأنه قال أنزلناها للذين هادوا. والربانيون. قد فسرناه فيما مضى ( 1 ) وهو جمع رباني وهم العلماء البصراء بسياسة الناس وتدبير أمورهم، قال السدي: عنا به ابن صوريا. وقال الباقون - وهو الأولى - إنه على الجمع، والأحبار جمع حبر، وهو العالم مشتق من التحبير وهو التحسين فالعالم يحسن الحسن ويقبح القبيح، وقال الفراء، أكثر ما سمعت فيه حبر بالكسر. وقوله " بما استحفظوا " معناه بما استودعوا. والعامل في الباء أحد سببين:
أحدهما: " الأحبار " كأنه قال العلماء بما استحفظوا.
الثاني: (يحكم) بما استحفظوا. وقوله: " وكانوا عليه شهداء " قيل في معناه قولان:
أحدهما: قال ابن عباس شهداء على حكم النبي صلى الله عليه وآله في التوراة.
الثاني: شهداء على ذلك الحكم أنه الحق من عند الله. وقوله: " فلا تخشوا الناس واخشوني " قيل في معناه قولان:
أحدهما: لا تخشوهم يا علماء اليهود في كتمان ما أنزلت ذهب إليه السدي.
1 - في تفسير آية 79 من سورة آل عمران المجلد الثاني ص 110 - 111.