قوله تعالى: ﴿اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إلى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
المعنى واللغة:
معنى (ولي الذين آمنوا) نصيرهم، ومعينهم في كل ما بهم إليه الحاجة ( 1 )، فيه صلاح لهم في دينهم ودنياهم وإنما يوصف بالولي من كان أولى بغيره وأحق بتدبيره. ومنه الوالي، لأنه يلي القوم بالتدبير والامر، والنهي، ومنه المولى من فوق، لأنه يلي أمر العبد بسد الخلة، وما به إليه الحاجة، ومنه المولى من أسفل لأنه يلي أمر المالك بالطاعة، والمولى ابن العم لأنه يلي أمره بالنصرة لتلك القرابة، وولي اليتيم لأنه يلي أمر ماله بالحفظ له والقيام عليه. والولي في الدين وغير، لأنه يلي أمره بالنصرة والمعونة لما توجبه الحكمة، والمعاقدة لجميع هذه المواضع الأولى والاحق ملحوظ فيه. وولى: إذا ادبر عن الشئ لأنه زال عن أن يليه بوجهه واستولى على الشئ: إذا احتوى عليه، لأنه وليه بالقهر. والله تعالى يتولى المؤمنين على ثلاثة أوجه: يتولاهم بالمعونة على إقامة الحجة، ويتولاهم بالنصرة لهم في الحرب حتى يغلبوا، ويتولاهم بالمثوبة على الطاعة. وقوله (يخرجهم من الظلمات إلى النور). ومعناه: من ظلمات الكفر إلى نور الايمان، لأنه الكفر كالظلمة في المنع من إدراك الحق كما أن الظلمة مانعة من إدراك البصر. وقال قتادة: يخرجهم من ظلمة الضلالة إلى نور الهدى، وهذا قريب من الأول، ووجه إخراج الله تعالى المؤمنين من ظلمات الكفر والضلال إلى نور الايمان باهدائهم إليه، ونصب الأدلة لهم، وترغيبهم فيه، وفعله بهم من الألطاف ما يقوي دواعيهم إلى الايمان، فإذا اختاروا هم الايمان، فكأن الله أخرجهم منها، ولم يجز أن يقال: إنه أخرج الكفار من الظلمات إلى النور من حيث قدرهم على الايمان، ودعاهم إليه ورغبهم فيه، كما فعل بالمؤمنين، لأنهم لم يختاروا الايمان، فلم يجز أن يقال: إنه أخرجهم منه لأنه توهم أنهم فعلوا الايمان. وقوله: (والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات) إنما أضاف إخراجهم " من النور " الذي هو الايمان إلى الكفر إلى الطاغوت، لما كان ذلك باغوائهم، ودعائهم، وإنما كفروا عند ذلك، فأضاف ذلك إليهم، فهو عكس الأول. فان قيل: كيف " يخرجونهم من النور " وما دخلوا فيه؟ قلنا عنه جوابان:
أحدهما: إن ذلك يجري مجرى قولهم: أخرجني والدي من ميراثه. ولم يدخل فيه، وإنما ذلك لأنه لو لم يفعل ما فعل، لدخل فيه، فهو لذلك بمنزلة الداخل فيه الذي أخرج منه. قال الغنوي: فان تكن الأيام أحسن مرة * إلي فقد عادت لهن ذنوب ( 2 ) ولم يكن لها ذنوب قبل ذلك.
والوجه الثاني: قال مجاهد: إنه في قوم ارتدوا عن الاسلام، والأول أليق بمذهبنا، لان عندنا لا يجوز أن يرتد المؤمن على الحقيقة، وإنما قال " يخرجونهم " على لفظ الجمع. فإن كان الطاغوت واحدا لأنه في معنى جميع كما قال العباس بن مرداس: فقلنا: أسلموا انا أخوكم * فقد برئت من الإحن الصدور ( 3 ) وإنما جاز ذلك في الخفض، لان كل واحد يقوم مقام الاخر فصار ذكر واحد ينوب عن جميعه، فأما ما يميز بالخلقة وصار بمنزلة الأشياء المختلفة فقياسه أن يجمع، كرجل ورجال. وإنما حسن في الطاغوت، لان جميعه يجري مجرى واحد في الضلال. وفي الآية دليل على فساد قول المجبرة في المخلوق، والإرادة، لأنه تعالى نسب الاخراج من نور الهدى إلى ظلمة الكفر والضلال إلى الطاغوت منكرا لتلك الحال، ولم يكن لينكر شيئا أراده ولا يغيب شيئا عنه فعله (تعالى الله) عن ذلك.
1 - هذا ما استنبطناه وفي المطبوعة (كلماتهم إليه الحاجة).
2 - قائله كعب الغنوي من قصيدة يرثي بها أخاه أبا المغوار العقد الفريد 3: 217. وروايته " لقد " بدل " فقد ".
3 - سيرة ابن هشام 4: 95، واللسان " أخو " ومجاز القرآن 1. 97 من قصيدة له في يوم حنين، وفي هزيمة هوزان يذكر قارب بن الأسود وفراره من بني أبيه. و؟؟ احنة: وهي الحقد.