قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾
القراءة:
قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم " لرؤوف " على وزن لرعوف. الباقون " لرؤف " على وزن (فعل).
المعنى:
اخبر الله تعالى أنه جعل أمة نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسطا: أي سماها بذلك وحكم لها به. والوسط: العدل. وقيل الخيار، ومعناهما واحد: وقيل: انه مأخوذ من المكان الذي تعدل المسافة منه إلى أطرافه. وقيل: بل أخذ الوسط من التوسط بين المقصر والمغالي، فالحق معه ( 1 ).
وقال مؤرج: اي وسط بين الناس وبين أنبيائهم وقال زهير:
هم وسط يرضى الأنام بحكمهم * إذا نزلت احدى الليالي بمعظم ( 2 )
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: أمة وسطا: عدلا. وهو قول مجاهد، وقتادة، والربيع، وابن عباس، وأكثر المفسرين. وقال صاحب العين: الوسط من الناس وغيرهم، ومن كل شئ أعدله، وأفضله وقيل الواسط والوسط بمعنى واحد، كما قيل يابس ويبس بمعنى واحد. قال تعالى " في البحر يبسا " ( 3 ) والوسط - بتسكين السين - الموضع. والوسط - بالتحريك - لما بين طرفي كل شئ، ويسمى واسط الرحل بين القادمة والآخرة، وكذلك واسطة القلادة. واصل الباب الوسط: العدل. وقولهم فلان من أوسطهم نسبا: اي تكلله الشرف من نواحيه.
الاعراب:
واللام الأولى في قوله: " لتكونوا شهداء على الناس " لام كي، كأنه قال كي تكونوا، واصلها لام الإضافة. واللام في قوله: " وان كانت لكبيرة " لام تأكيد، وهي تلزم أن المخففة من الثقيلة، لئلا تلبس بأن التي بمعنى ما، كقوله تعالى: " إن الكافرون إلا في غرور " ( 4 ) وهي لام الابتداء أخرت إلى الخبر في باب (ان) خاصة. واما اللام الثالثة في قوله: " وما كان الله ليضيع إيمانكم " فلام الجحد، واصلها الام الإضافة، والفعل نصب باضمار (أن)، ولا يظهر بعدها (ان)، لان التأويل: ما كان الله مضيعا ايمانكم، فلما حمل معناه على التأويل، حمل، لفظه أيضا على التأويل من غير تصريح باظهار (ان).
المعنى:
فان قيل: باي شئ يشهدون على الناس، قلنا فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: ليشهدوا على الناس باعمالهم التي خالفوا فيها الحق في الدنيا وفي الآخرة كما قال: " وجيئ بالنبيين والشهداء " ( 5 ) وقال " يوم يقوم الاشهاد " ( 6 ) قال ابن زيد: الاشهاد أربعة الملائكة، والأنبياء، وأمة محمد صلى الله عليه وآله والجوارح. كما قال: " يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون " ( 7 ).
الثاني: يشهدون الأنبياء على أممهم المكذبين بأنهم بلغوا. وجاز ذلك لاعلام النبي صلى الله عليه وآله إياهم بذلك.
الثالث: " لتكونوا شهداء على الناس " أي حجة عليهم فيما يشهدون، كما أن النبي صلى الله عليه وآله شهيد بمعنى حجة في كلما اخبر به. والنبي صلى الله عليه وآله وحده كذلك. فأما الأمة فجماعتها حجة دون كل واحد منها.
واستدل البلخي، والجبائي، والرماني، وابن الاخشاد، وكثير من الفقهاء، وغيرهم بهذه الآية على أن الاجماع حجة من حيث إن الله وصفهم بأنهم عدول، فإذا عدلهم الله تعالى، لم يجز أن تكون شهادتهم مردودة - وقد بينا في أصول الفقه أنه لا دلالة فيها على أن الاجماع حجة - وجملته ان الله تعالى وصفهم بأنهم عدول، وبأنهم شهداء وذلك يقتضي أن يكون كل واحد عدلا، وشاهدا، لان شهداء جمع شهيد، وقد علمنا أن كل واحد من هذه الأمة ليس بهذه الصفة، فلم يجز أن يكون المراد ما قالوه، على أن الأمة إن أريد بها جميع الأمة، فقد بينا ان فيها كثيرا ممن يحكم بفسقه بل بكفره، فلا يجوز حملها على الجميع.
وان خصوها بالمؤمنين العدول، لنا أن نخصها بجماعة، كل واحد منهم موصوف بما وصفنا به جماعتهم: وهم الأئمة المعصومون من آل الرسول صلى الله عليه وآله على أنالوه سلمنا ما قالوه من كونهم عدولا، ينبغي أن نجنبهم ما يقدح في عدالتهم وهي الكبائر، فأما الصغائر التي تقع مكفرة، فلا تقدح في العدالة، فلا ينبغي أن نمنع منها، ومتى جوزنا عليهم الصغائر لم يمكنا أن نحتج باجماعهم، لأنه لا شئ أجمعوا عليه إلا ويجوز أن يكون صغيرا فلا يقدح في عدالتهم، ولا يجب الاقتداء بهم فيه لكونه قبيحا.
وفي ذلك بطلان الاحتجاج باجماعهم. وكيف يجنبون الصغائر، وحال شهادتهم ليس بأعظم من شهادة النبي صلى الله عليه وآله ومع هذا يجوزون عليه الصغائر فهلا جاز مثل ذلك عليهم، ولا تقدح في عدالتهم - كما لم تقدح في عدالة النبي صلى الله عليه وآله؟قوله: " ويكون الرسول عليكم شهيدا ". قيل في معناه قولان:
أحدهما: عليكم شهيدا بما يكون من اعمالكم. وقيل: يكون حجة عليكم.
والثاني: يكون لكم شهيدا بأنكم قد صدقتم - يوم القيامة - فيما تشهدون به. وجعلوا (على) بمعتى اللام كما قال: " وما ذبح على النصب " ( 8 ) اي للنصب. والتشبيه في قوله " وكذلك " وقع بما دل عليه الكلام في الآية التي قبلها: وهي قوله " يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " فتقديره أنعمنا عليكم بالعدالة كما أنعمنا عليكم بالهداية والعامل في الكاف جعلنا، كأنه قيل: " من يشاء إلى صراط مستقيم " فقد أنعمنا عليكم بذلك وجعلناكم أمة وسطا فأنعمنا كذلك الانعام.
إلا أن (جعلنا) يدل على أنعمنا في هذا الكلام، فلم نحتج إلى حذفه معه في قوله تعالى: " وما جعلنا القبلة التي التي كنت عليها " اي ما صرفناك عن القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم، وحذف لدلالة الكلام عليه. وقوله " إلا لنعلم " قيل في معناه ثلاثة أقوال:
أولها: " إلا لنعلم " اي لنعلم حزبنا من النبي والمؤمنين، كم يقول الملك فعلنا وفتحنا بمعنى فعل أولياؤنا ومن ذلك قيل: فتح عمر السواد وجبا الخراج وإن لم يتول ذلك بنفسه.
الثاني: إلا ليحصل المعلوم موجودا، فقيل على هذا: إلا لنعلم، لأنه قبل وجود المعلوم لا يصح وصفه بأنه عالم بوجوده.
والثالث: إلا لنعاملكم معاملة المختبر الممتحن الذي كأنه لا يعلم أن العدل يوجب ذلك، من حيث لو عاملهم بما يعلم أنه يكون منهم كان ظلما لهم. ويظهر ذلك قول القائل لمن انكر أن تكون النار تحرق الحطب: فليحضر النار والحطب لنعلم أتحرقه أم لا، على جهة الانصاف في الخطاب، لاعلى جهة الشك في الاحراق. وهذا الوجه اختاره ابن الاخشاد، والرماني. وكان علي بن الحسين المرتضى الموسوي يقول في مثل ذلك وجها مليحا: وهو ان قال: قوله لنعلم يقتضي حقيقة ان يعلم هو وغيره ولا يحصل علمه مع علم غيره إلا بعد حصول الاتباع، فاما قبل حصوله فإنما يكون هو تعالى العالم وحده، فصح حينئذ ظاهر الآية وهذا وجه رابع، وفيه قول خامس - وهو ان يعلموا انا نعلم، لأنه كان منهم من يعتقد ان الله لا يعلم الشئ حتى يكون على أن قوله: " لنعلم من يتبع الرسول " لا يدل على حدوث العلم، لأنه كان قبل ذلك عالما بان الاتباع سيوجد، أو لا يوجد، فان وجد كان عالما بوجوده وان لم يتجدد له صفة. وإنما يتجدد المعلوم، لان العلم بان الشئ سيوجد علم بوجوده إذا وجد. وإنما يتغير عليه الاسم، ويجري ذلك مجرى تغير الاسم على زمان بعينه، بان يوصف بأنه غد قبل حصوله، فإذا حصل قيل إنه اليوم، فإذا تقضى وصف بأنه أمس، فتغير عليه الاسم والمعلوم لم يتغير.
وقوله تعالى: " ممن ينقلب على عقبيه " قيل في معناه قولان:
أحدهما: ان قوما ارتدوا عن الاسلام لما حولت القبلة جهلا منهم بما فيها من وجه الحكمة.
والآخر: ان المراد به كل مقيم على كفره، لان جهة الاستقامة إقبال، وخلافها ادبار، لذلك وصف الكافر بأنه ادبر واستكبر. وقال " لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى " ( 9 ) اي عن الحق.
اللغة:
والعقب مؤخر القدم قال ثعلب: ونرد على أعقابنا: أي نعقب بالشر بعد الخير وكذلك رجع على عقبيه. وسميت العقوبة عقوبة لأنها تتلو الذنب. والعقبة كرة بعد كرة في الركوب والمشي. المعقبات: ملائكة الليل تعاقب ملائكة النهار. وعقب الانسان نسله. والعقاب معروف والعقب أصلب من العصاب وامتن، يعقب به الرماح. والتعقيب: الرجوع إلى امر تريده. ومنه قوله تعالى: " ولم يعقب " ( 10 ) ومنه يقال عقب الليل النهار يعقبه. وأعقب الرأي خبرا، وأعقب عزه ذلا أي ابدل به. والعقبة طريق في الجبل. وعرو العقاب: الراية لشبهها بعقاب الطائر. واليعقوب ذكر القبج تشبه به الخيل في السرعة. لا معقب لحكمه أي لا راد لقضائه. والمعقب: الذي يتبع الانسان في طلب حق. واصل الباب التلو.
المعنى:
والضمير في قوله " وان كانت لكبيرة " يحتمل رجوعه إلى ثلاثة أشياء: القبلة على قول ابن عامر. والتحويلة على قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. وهو الأقوى، لان القوم ثقل عليهم التحويل لا نفس القبلة. وعلى قول ابن زيد الصلاة. وقوله: " لكبيرة " قال الحسن: معناه ثقليه يعني التحويلة إلى بيت المقدس، لان العرب لم تكن قبلة أحب إليهم من الكعبة. وقيل معناه عظيمة على من لم يعرف ما فيها من وجوه الحكمة. فاما الذين هدى الله، لان المعرفة بما فيها من المصلحة تسهل المشقة فيصير بمنزلة مالا يعتد بها ولذلك حسن الاستثناء بما يخرجهم منها.
وقوله: " وما كان الله ليضيع ايمانكم " قيل في معناه أقوال:
أولها: قال ابن عباس وقتادة والربيع: لما حولت القبلة قال ناس: كيف بأعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الأولى. وقيل: كيف من مات من اخواننا قبل ذلك، فأنزل الله (وما كان الله ليضيع ايمانكم).
الثاني: معناه قال الحسن: وانه لما ذكر ما عليهم من المشقة في التحويلة اتبعه بذكر مالهم عنده من المثوبة وانه لا يضيع ما عملوه من الكلفة فيه لان التذكير به يبعث على ملازمه الحق والرضا به.
الثالث: قال البلخي: انه لما ذكر انعامه عليهم بالتولية إلى الكعبة ذكر سبب ذلك الذي استحقوه به وهو ايمانهم بما عملوه أولا فقال: " وما كان الله ليضيع ايمانكم " الذي استحققتم به تبليغ محبتكم في التوجه إلى الكعبة.
اللغة:
والإضاعة مصدر أضاع يضيع. وضاع الشئ يضيع ضياعة، وضيعة تضييعا. قال صاحب العين: ضبعة الرجل حرفته. يقال: ما ضيعتك اي ما حرفتك، هذا في الضياع وضاع عمل فلان ضيعة، وضياعا. وتركهم بضيعة ومضيعة. والضيعة والضياع معروف واصل الضياع الهلاك. وقوله: (ان الله بالناس لرؤف رحيم) ان قيل: ما الذي اقتضى ذكر هذه الصفة، قلنا الرؤوف بعباده الرحيم بهم لا يضيع عنده عمل عامل منهم، فدل بالرأفة والرحمة على التوفير عليهم فيما استحقوه دون التضيع لشئ منه. وإنما قدمت الرأفة على الرحمة، لان الرأفة أشد مبالغة من الرحمة ليجري على طريقه التقديم - بما هو اعرف - مجرى أسماء الاعلام ثم اتباعه بما هو دون منه ليكون مجموع ذلك تعريفا أبلغ منه، لو انفرد كل واحد عن الاخر كما هو في الرحمن الرحيم فرؤوف على ورن فعول، لغة أهل الحجا على ورن فعل، لغة غيرهم قال الأنصاري ( 11 ):
نطيع نبينا لنطيع ربا * هو الرحمن كان بنا رؤوفا ( 12 )
وقال حريز: يعني منعمين حقا، كفعل الوالد الرؤوف الرحيم. والرأفة: الرحمة تقول رأف يرأف رأفة:
المعنى:
واستدل من قال الصلاة: الايمان بهذه الآية، فقالوا: سمى الله الصلاة ايمانا - على تأويل ابن عباس، وقتادة، والسدي والربيع وداود بن أبي عاصم وابن زيد وسعيد بن المنذر وعمرو بن عبيد وواصل وجميع المعتزلة. ومن خالفهم من المرجئة لا يسلم هذا التأويل ويقول: الايمان على ظاهره وهو التصديق ولا ينزل ذلك بقول من ليس قوله حجة، لأنهم ليسوا جميع المفسرين بل بعضهم ولا يكون ذلك حجة. واستدل الجبائي بهذه الآية على أن الشاهد هو الحاضر دون من مات، بان قال: لو كان الرسول شاهدا على من مضى قبله أو من يأتي بعده ومن هو حاضر معه لم يكن لقوله (ويكون الرسول عليكم شهيدا) معنى.
ويؤكد ذلك قوله (وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم) ( 13 ) وقال غيره: قد يجوز ان يشهد العالم بما علم وان لم يحضره - وهو الأقوى - وهذه الآية فيها دلالة على جواز النسخ في الشريعة بل على وقوعه، لأنه قال (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها) فأخبر ان الجاعل لتلك القبلة كان هو تعالى، وانه هو الذي نقله عنها وذلك هو النسخ، فان قيل: كيف أضاف الايمان إلى الاحياء وهم كانوا قالوا: كيف بمن مضى من اخواننا قلنا يجوز ذلك على التغليب، لان من عادتهم ان يغلبوا المخاطب على الغائب كما يغلبون المذكر على المؤنث تنبيها على الأكمل، فيقولون: فعلنا بكما وبلغنا كما، وإن كان أحدهما حاضرا والاخر غائبا، فان قيل كيف جاز على أصحاب النبي صلى الله وآله الشك فيمن مضى من اخوانهم فلم يدروا انهم كانوا على حق في صلاتهم إلى بيت المقدس؟قيل في ذلك: كيف اخواننا لو أدركوا الفضل بالتوجه، وانهم أحبوا لهم ما أحبوا لأنفسهم. ويكون قال ذلك منافق بما فيه الرد على المخالفين المنافقين.
1 - الضمير راجع إلى الوسط اي الحق مع الوسط لأنه ليس بالمقصر ولا بالمغالي.
2 - ديوانه 2: 27 وروايته. لحي حلال يعصم الناس أمرهم * إذا طرقت احدى الليالي بمعظم وفي تفسير الطبري وبعض المصادر الأخرى كما هو مثبت في المتن.
3 - سورة طه: آية 77.
4 - سورة الملك: آية 20.
5 - سورة الزمر: آية 69.
6 - سؤرة المؤمن: آية 51.
7 - سورة النور: آية 24.
8 - سورة المائدة: آية 4.
9 - سورة الليل: آية 15 - 6 1.
10 - سورة النمل آية 10 وسورة القصص آية 31.
11 - هو كعب بن مالك الأنصاري.
12 - اللسان " رأف " وروايته " ونطيع " بدل " لنطيع " في المطبوعة " رؤوف " بدل " رؤوفا ".
13 - سورة المائدة: آية 120.