۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة البقرة، آية ١٤٣

التفسير يعرض الآية ١٤٣

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلۡقِبۡلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيۡهَآ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِۚ وَإِن كَانَتۡ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ١٤٣

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

وَكَذَلِكَ، أي كما أن (لله المشرق والمغرب) وأنه لا مناقشة في ذلك جَعَلْنَاكُمْ أيها المسلمون في التأويل، إن المراد بالخطاب الأئمة (عليهم السلام)، أُمَّةً وَسَطًا متوسطاً، والإطلاق وإن كان يفيد في كل شيء في العقيدة - فلا جمود ولا إلحاد وفي المكان فهم متوسطون بين شرق الأرض وغربها وفي التشريع فليس ناقصاً ولا مغالياً وهكذا، إلا أن ظاهر قوله سبحانه بعد ذلك لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا يفيد أن المراد بالتوسط الوسيطة بين الرسول وبين سائر الناس، فالأمة تأخذ من الرسول ويشهد الرسول عليهم بأنهم أخذوا منه - حتى لا يقولوا ما عرفنا - وسائر الناس يأخذون من الأمة وتشهد الأمة عليهم بأنهم أخذوا منها - حتى لا يقول الناس لم نعرف، وهذا هو الظاهر من "لام" العلة في قوله "لتكونوا ... ويكون"، ولعل ارتباط هذه الآية بما سبقها من حكم القبلة وما لحقها بيان أن المسلمين لهم مكان القيادة لأنهم الآخذون عن الرسول المبلغون للناس، فالذي ينبغي: أن تكون لهم سمة خاصة في شرائعهم حتى لا يرمون بالذيلية والاتباع للآخرين، ثم يرجع السياق إلى حكم القبلة فقال سبحانه: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا وهي بيت المقدس - الذي كان يتوجه النبي نحوه في الصلاة طيلة كونه في مكة المكرمة ومدة الهجرة - إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ، معنى "لنعلم" أن يتحقق علمنا في الخارج بأن يظهر المتبع من المخالف، فإنه قد يقال: "لنعلم" ويراد به حصول العلم للمتكلم، وقد يقال: "لنعلم" والمراد به وقوع المعلوم في الخارج، وفي بعض التفاسير أن قوماً ارتدوا على أدبارهم لما حولت القبلة، فظهر أنهم لم يكونوا يتبعون الرسول حقيقة وإنما حسب الأهواء، والعقب : مؤخر القدم، والمعنى التشبيه لمن يرتد كافراً بمن يرجع القهقري، وَإِن كَانَتْ مفارقة القبلة الأولى إلى قبلة أخرى لَكَبِيرَةً، إذ هو خرق لاعتياد قديم متركز، إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ إياهم بأن قوّى قلوبهم بالإيمان، وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ أيها المسلمون الراسخون الذين اتبعتم النبي، وهذا تقدير لهم في ثباتهم، ووعد لهم بالجزاء على إيمانهم الكامل، ويحتمل أن يكون جواباً عن سؤال وقع عن بعضهم، وهو كيف تكون حال صلواتهم السابقة التي صلوها إلى بيت المقدس، وإن كان الظاهر من كلمة "إيمان" المعنى الأول، إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ، فلا يضيع أتعابهم وأعمالهم.