قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾
(أم) هاهنا منقطعة وليست بمتصلة كقوله " ألم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه " ( 1 ) ومثله قول الشاعر ( 2 ):
كذبتك عينك أم رأيت بواسط * غلس الظلام من الرباب خيالا ( 3 )
ولا تجئ منقطعة الألف وقد تقدمها كلام، لأنها بمعنى بل، وألف الاستفهام. كأنه قيل: بل كنتم شهداء، ومعناها - هنا - الجحد: اي ما كنتم شهداء. واللفظ لفظ الاستفهام.
والمعنى على خلافه، لان إخراجه مخرج الاستفهام أبلغ في الكلام، وأشد مظاهرة في الحجاج: أن يخرج الكلام مخرج التقرير بالحق فتلزم الحجة، والانكار له فتظهر الفضيحة، فلذلك اخرج الجحد ( 4 ) في الاخبار مخرج الاستفهام.
والمخاطب ب? " أم كنتم شهداء " أهل الكتاب في قول الربيع.والمعنى: انكم لم تحضروا ذلك، فلا تدعوا على أنبيائي ورسلي الأباطيل بنحلكم إياهم خلاف الاسلام من اليهودية والنصرانية، فايى ما بعثهم إلا بالحنفية.
والشهداء جمع شهيد. و (إذ) هاهنا بدل من (إذ) الأولى، والعامل فيها معنى الشهادة. وقيل بل العامل فيها حضر، وكلاهما حسن.
اللغة:
والحاضر والشاهد من النظائر. ونقيض الحاضر الغائب. ويقال: حضر حضورا، واحضره إحضارا، واستحضره استحضارا، واحتضره احتضارا، وحاضره محاضرة. والحضر خلاف البدو. وحضرت القوم أحضرهم حضورا: إذا شهدتم. والحاضر خلاف الغائب. واحضر الفرس إحضارا: إذا عدا عدوا شديدا واستحضرته استحضارا. والحضرة الجماعة من الناس ما بين الخمسة إلى العشرة. وحاضرت الرجل محاضرة وحضارا: إذا عدوت معه. وحاضرته: إذا جانيته عند السلطان، أو في خصومة، ومحضر القوم مرجعهم إلى المياه بعد النجعة، وفرس محضر. ولا يقال: محضارا. وألقت الشاة حضيرتها يعني المشيمة وغيرها والإبل الحضار البيض. لا واحد لها من لفظها مثل الهجان سواء. وحضرة الرجل فناؤه وأصل الباب الحضور: خلاف الغيبة.
الاعراب:
وقوله " إلها واحدا " يحتمل انتصابه أحد أمرين:
أحدهما: أن يكون حالا من قوله: " إلهك ":
والآخر: أن يكون بدلا من إلهك.
وتكون الفائدة فيه التوحيد، وإنما قدم إسماعيل على إسحاق، لأنه كان أكبرهم. وبه قال ابن زيد. وقوله: " ونحن له مسلمون " الجملة في موضع نصب على الحال.
وقيل لا موضع لها، لأنها على الاستئناف و " إبراهيم وإسماعيل وإسحاق " في موضع خفض. والعامل فيها ما عمل في ابائك، لأنه مبين له. كما تقول: مررت بالقوم: أخيك، وغلامك وصاحبك.
وإنما قال: " آبائك " وإسماعيل عم يعقوب، لما قاله الفراء وأبو عبيدة: من أن العرب تسمي العم أبا فالآية دالة على أن العمومة يسمون آباء.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: ردوا علي أبي يعني العباس عمه فسمي العم أبا كما سمي الجد أبا من حيث يجب له التعظيم، نحو ما يجب للأب، وقد قرئ في الشواذ واله أبيك، فعلى هذا ينجر إسماعيل وإسحاق على العطف، وهو غير المعنى الأول، لأنه مترجم عن الآباء وفي الثاني عطف غير ترجمة كما تقول رأيت غلام زيد وعمر، أي غلامهما فكأنه قال: لهم ولم يذكر بالأبوة إلا إبراهيم وحده والقراءة الأولى هي المشهورة وعليها القراء.
1 - سورة السجدة: آية 1 و 2 و 3.
2 - هو الأخطل.
3 - انظرا: 3. 4 تجد التفصيل.
4 - في المطبوعة (الحجة).