وكما نهى سبحانه عن الشرك في العقيدة نهى عن الشرك في العبادة (وَقَضى رَبُّكَ) أي أمر أمر إلزام وفرض (أَلَّا تَعْبُدُوا) أيها البشر أصله «أن لا» أدغمت النون في اللام ، لقاعدة «يرملون» (إِلَّا إِيَّاهُ) فالعبادة خاصة ، وهي مشتقة من «عبد» أي الإتيان برسوم العبودية ، وكون الإنسان عبدا له سيّد (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) أي قضى ربك أن تحسنوا إلى الوالدين ، وهما الأب ـ يسمى والدا لأنه يلد بإخراج المني ـ (1) قريبا منه في بحار الأنوار : ج 8 ص 200. والأم ، والإحسان فوق العدل كما تقدم ، ثم بين سبحانه لزوم الإحسان في حال كبرهما ، لأن الإنسان ، إذا كبر يسيء خلقه ، ويكثر طلبه ، ومن طرف ثان ، أن الولد ـ كما هو عادة كل إنسان ـ إذا كبر ورشد ، رأى نفسه في غنى عنهما ، فكان مقتضى عدم الإحسان إليهما موجودا عنده من جهتين ، ولذا يخص سبحانه هذا الحال بالذكر ، وقد قال بعض العارفين : إن أباك وأمك أحسنا إليك ، وهما يريدان بقاءك ، ويهفو قلبهما إليك ، وأنت تحسن إليهما ـ إن تحسن ـ وأنت ترى استغناك عنهما ، فلا يبلغ إحسانك إحسانهما ـ مهما أحسنت ـ وليعلم الولد أن الدار دار مكافات ، فمن أحسن إلى أبويه أحسن أولاده إليه ، ومن أساء إليهما أساءوا إليه ، (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ) أيها الولد و «إما» أصله «إن ما» دخلت ما الزائدة ، على إن الشرطية للتزيين (الْكِبَرَ) الشيخوخة ، والكثرة في السن (أَحَدُهُما) أي أحد الأبوين ، وهو فاعل «يبلغن» والكبر مفعوله ، أي إن عاش أحدهما (أَوْ كِلاهُما) عندك حتى كبرا ، وبلغا مبلغا كبيرا من العمر (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ) وهي كلمة تستعمل عند الضجر ، في قول مثل هذه اللفظة البسيطة ، منهي عنه في الشريعة ، وقد قال الصادق عليهالسلام : لو علم الله لفظة أوجز في ترك عقوق الوالدين من أف لأتى بها (1) (وَلا تَنْهَرْهُما) النهر هو الزجر بإغلاظ وصياح ، أي لا تزجرهما ، وإن أرادا منك شيئا لا تطردهما ، كما قال سبحانه (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) (2) (وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً) أي (1) بحار الأنوار : ج 71 ص 42. (2) الضحى : 11. خاطبهما ، وتكلم معهما بكلام لطيف حسن جميل.