قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾
هذا خطاب من الله لأولاد آدم العقلاء منهم المكلفين، فنهاهم أن يفتنوا بفتنة الشيطان. والفتنة هي الاختبار والابتلاء وافتتان الشيطان يكون بالدعاء إلى المعاصي من الجهة التي تميل إليها النفوس وما تشتهيه. وإنما جاز ان ينهي الانسان بصيغة النهي للشيطان، لأنه أبلغ في التحذير من حيث يقتضي أنه يطلبنا بالمكروه، ويقصدنا بالعداوة، فالنهي له يدخل فيه النهي لنا عن ترك التحذير منه وقوله " كما اخرج أبويكم من الجنة " يعني أغوى أبويكم آدم وحواء حتى خرجا من الجنة، فنسب الاخراج إليه لما كان باغوائه، وجرى ذلك مجرى ذم الله تعالى فرعون بأنه يذبح أبناءهم وإنما أمر بذلك، وتحقيق الذم فيها راجع إلى فعل القتل المذموم، ولكنه يذكر بهذه الصفة لبيان منزلة فعله في عظم الفاحشة. وقوله " ينزع عنهما لباسهما " في موضع الحال من الشيطان، وتقديره نازعا عنهما لباسهما لكي تبدو سوأتهما فيرياها، والنزع قلع الشئ من موضعه الذي هو ملابس له ويقال: نزع من الامر ينزع نزوعا تشبيها بهذا، ونازعه إذا حاول كل واحد منهما أن يزيل صاحبه عما هو عليه، وغرض الشيطان في أن يريا سوآتهما هو ان يغمهما ذلك ويسوءهما ان تبدو لغيرهما، كما بدا لهما، لان ذلك صفة كل من له مروءة. واللباس الذي ينزع عنهما قيل فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: قال ابن عباس: كان لباسهما الظفر. وقال وهب بن منية كان لباسهما نورا.
وقال قوم: هي ثياب من ثياب الجنة. وقوله " إنه " يعني الشيطان " يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم " وإنما كانوا يرونا ولا نراهم لان أبصارهم أحد من ابصارنا، وأكثر ضوءا من أبصارنا، فأبصارنا قليلة الشعاع، ومع ذلك أجسامهم شفافة وأجسامنا كثيفة، فصح أن يرونا ولا يصح منا أن نراهم، ولو تكثفوا لصح منا أيضا أن نراهم.
1 - سورة 18 الكهف آية 51.
2 - سورة 43 الزخرف آية 19.