ثم خاطب الله سبحانه البشر ، بمناسبة نزع الشيطان لباس أبويهم ، وبمناسبة ما وعد من أن لهم في الأرض متاع ، بقوله : (يا بَنِي آدَمَ) والخطاب بهذا اللفظ للتذكير بجدّهم آدم عليهالسلام ـ لمناسبة الموضوع ـ (قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً) إما المراد «الإنزال» حقيقة ، بأن أنزل اللباس من الجنة ، أو «الإنزال» مجازا بنزول المطر الذي هو سبب نبات القطن وما أشبه ، ورعي الحيوانات ذات الأصواف ، أو المراد «التعظيم» لعظم المعطي ، كما يقال : «رفعت عريضتي إلى القاضي» تعظيما لمقامه وأنه أرفع منزلة من صاحب العريضة ، ومثله (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ) (1) ، (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ) (2) ، (أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً* رَسُولاً) (3) ، (يُوارِي) أي يستر (سَوْآتِكُمْ) أي عوراتكم (وَ) أنزلنا عليكم (رِيشاً) أي أثاثا مما تحتاجون إليه ، و «الريش» ما فيه الجمال ، ومنه ريش الطائر (وَلِباسُ التَّقْوى) أي الاجتناب عن معاصي الله سبحانه ، وسمي لباسا لأنه يستر الشر الكامن في نفس الإنسان ، كما يستر اللباس __________________ (1) الزمر : 7. (2) الحديد : 26. (3) الطلاق : 11 و 12. ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما ____________________________________ مواضع القبح من بدن الإنسان ، فمثلا من يغتاب غيره يظهر قبح نفسه ، فإذا اتقى سترت هذه التقوى قبحه النفسي (ذلِكَ خَيْرٌ) من جميع أنواع اللباس الظاهرة ، إذ القبائح النفسية أكثر وأبشع من القبائح البدنية ، لأن القبائح الكامنة إذا ظهرت توجب النار والخزي بخلاف قبائح الجسد (ذلِكَ) أي لباس التقوى (مِنْ آياتِ اللهِ) «من» إما للإنشاء ، أي أن لباس التقوى ينشأ من الآيات والحجج التي أنزلها الله سبحانه ، وإما تبعيضية أي أن التقوى من جملة آيات الله وعلاماته ، لأنه هو الذي أمر بالتقوى (لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) أي جعل الله التقوى آية لكي يتفكر الإنسان ، ويتذكر فيما أودع في فطرته ، فيسعد.