قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه أحل للمؤمنين الطيبات، وهي الحلال على ما بينا القول فيه في الآية الأولى، دون ما حرم في الآية المتقدمة. وقيل: معنى الطيبات ما يستلذ ويستطاب. وظاهر الآية على هذا يقتضي تحليل كل مستطاب إلا ما قال دليل على تحريمه. وقوله: " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم " رفع بالابتداء " وحل لكم " خبره وذلك يختص عند أكثر أصحابنا بالحبوب، لأنها المباحة من أطعمة أهل الكتاب، فاما ذبائحهم وكل مائع يباشرونه بأيديهم فإنه تحبس ولا يحل استعماله وتذكيتهم لا تصح لان من شرط صحتها التسمية لقوله: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وهؤلاء لا يذكرون اسم الله. وإذا ذكروه قصدوا بذلك اسم من ابد شرع موسى أو عيسى أو اتخذ عيسى ابنا. وكذب محمدا (صلى الله عليه وآله) وذلك غير الله. وقد حرم الله ذلك بقوله: " وما أهل لغير الله به " على ما مضى القول فيه وأكثر المفسرين على أن قوله ": وطعام الذين أوتوا الكتاب " المراد به ذبائحهم وبه قال قوم من أصحابنا: فممن ذهب إليه الطبري والبلخي والجبائي وأكثر الفقهاء، ثم اختلفوا، فمنهم من قال: أراد بذلك ذباحة كل كتابي ممن أنزل عليه التوراة والإنجيل، أو ممن دخل في ملتهم ودان بدينهم، وحرم ما حرموا، وحلل ما حللوا. ذهب إليه ابن عباس والحسن وعكرمة وسعيد بن المسيب، والشعبي وابن جريج، وعطا والحكم وقتادة. وأجازوا ذبائح نصارى بني تغلب وقال آخرون: إنما عنى به الذين أنزلت التوراة والإنجيل عليهم، ومن كان دخيلا فيهم من سائر الأمم، ودان بدينهم، فلا تحل ذبائحهم. حكى ذلك الربيع عن الشافعي من الفقهاء. وروي تحريم ذبائح نصارى تغلب عن علي (عليه السلام) ورواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. وقال مجاهد، وإبراهيم وابن عباس وقتادة والسدي والضحاك، وابن زيد وأبو الدرداء إن اطعام الذين أوتوا الكتاب ذبائحهم وغيرها من الأطعمة. وبه قال الطبري والجبائي والبلخي وغيرهم. وقوله: " وطعامكم حل لهم " فيه بيان إن طعامنا أيضا حل لهم، فان قيل فما معنى ذلك، وهم لا يستحلون طعامنا بتحليلنا لهم ذلك؟قلنا عنه جوابان:
أحدهما: ان الله بين بذلك أنه حلال لهم ذلك سواء قبلوه، أو لم يقبلوه.
الثاني: أن يكون حلال للمسلمين بذله لهم، ولو كان محرما عليهم، لما جاز لمسلم بذله إياه. وقوله: " والمحصنات من المؤمنات " معناه وأحل لكم العقد على المحصنات يعني العفائف من المؤمنات. وقيل هن الحرائر منهن، ولا يدل ذلك على تحريم من ليس بعفيفة، لان ذلك دليل خطاب يترك لدليل يقوم على خلافه، ولا خلاف أنه لو عقد على من ليس بعفيفة، ولا أمة كان عقده صحيحا غير مفسوخ، وإن كان الأولى تجنبه. وكذلك لو عقد على أمة بشرط جواز العقد على الأمة على ما مضى القول فيه. واختلف المفسرون في المحصنات التي عنا هن هاهنا فقال بعضهم عنى بذلك الحرائر خاصة: فاجرة كانت أو عفيفة وحرموا إماء أهل الكتاب بكل حال لقوله: " ومن لم يستطع منكم طولا ان ينكح المحصنات فمما ملكت ايمانكم من فتياتكم المؤمنات ". ذهب إليه مجاهد وطارق بن شهاب، وعامر الشعبي والحسن وقتادة. وقال آخرون: أراد بذلك العفائف من الفريقين: حرائر كن أو إماء، وأجازوا العقد على الأمة الكتابية. روى ذلك أيضا عن مجاهد، وعامر الشعبي وسفين وإبراهيم والحسن بن أبي الحسن وقتادة في رواية، ثم اختلفوا في المحصنات من الذين أوتوا الكتاب، فقال قوم: هو عام في العفائف منهن: حرة كانت أو أمة، حربية كانت أو ذمية. وهو قول من قال المراد بالمحصنات العفائف. وقال آخرون: أراد الحرائر منهن: حربيات كن أو ذميات. وعلى قول الشافعي المراد بذلك من كان من نساء بني إسرائيل دون من دخل فيهن من سائر الملل. وقال قوم: أراد بذلك الذميات منهن. ذهب إليه ابن عباس. واختار الطبري أن يكون المراد بذلك الحرائر من المسلمات والكتابيات. وعندنا لا يجوز العقد على الكتابية نكاح الدوام، لقوله تعالى: " ولا تنكح المشركات حتى يؤمن، " ولقوله: " ولا تمسكوا بعصم الكوافر " فإذا ثبت ذلك، قلنا في قوله ": والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب " تأويلان.
أحدهما: أن يكون المراد بذلك اللائي أسلمن منهن. والمراد بقوله: " والمحصنات من المؤمنات " من كن في الأصل مؤمنات. ولدن على الاسلام قيل: إن قوما كانوا يتحرجون من العقد على الكافرة إذا أسلمت فبين الله بذلك انه لا حرج في ذلك، فلذلك أفردهن بالذكر حكى ذلك البلخي.