۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة المائدة، آية ٥

التفسير يعرض الآية ٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

ٱلۡيَوۡمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حِلّٞ لَّكُمۡ وَطَعَامُكُمۡ حِلّٞ لَّهُمۡۖ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِيٓ أَخۡدَانٖۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٥

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

الْيَوْمَ الذي تمّ فيه بيان كل الأحكام نوجز المحلّلات فإنه أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وهذا عام يشمل الطيّب من المآكل والمناكح والمساكن والملابس وغيرها بقرينة (والمحصنات) بخلاف الآية السابقة التي كانت خاصة بالمأكل بحُكم السياق وهذه الآية تدلّ على كون الأصل في كل الأشياء الحلّ إلا ما خَبُثَ، ومن المعلوم أنّ الخُبُث لا يُميّز إلا بالشع أو بالعقل نادراً وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ ، أي الذين أُرسل إليهم الكتاب السماوي كاليهود والنصارى والمجوس حِلٌّ لَّكُمْ والطعام أما المراد به الحبوب كما هو المروي وهذا المتعارف إلى اليوم، فإنّ كلمة (باعة الأطعمة) أو ما أشبهها تنصرف إلى باعة الحبوب، أو المراد به العام لكل طعام وقد إستثنى من ذلك الذبائح لقوله سبحانه (وما أُهِلّ به لغير الله) والحق به غيره إجماعاً كما إسثنى ما لامَسَه الكتابي برطوبة لأنهم مُشركون لقوله سبحانه (تعالى الله عمّا يُشركون) وفي آية أخرى حُكُم بنجاسة المشرك بقوله سبحانه (إنما المشركون نَجَس) وتفصيل البحث في الفقه، وهنا سؤال يفرض نفسه وهو أنه : ما الفائدة من هذا التنصيص والحال أنّ طعام غير أهل الكتاب حِلّ أيضاً ؟ والجواب أنه من باب المورد والقيد غالبي لابتلاء المسلمين بهم غالباً كما يدلّ على ذلك وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ ومن المعلوم أنّ طعام المسلم حِلٌّ حتى للمشرِك الوثني، ثم لو قلنا أنّ الجملة عامة لكل طعام فهل معنى حلّيّة طعامنا لهم الحلّي' بالنسبة إلينا ؟، أي إنّ طعامهم حِلٌّ لنا أو الحلّيّة بالنسبة إليهم ؟، أي يجوز لهم أن يطعموه ؟، الظاهر الثاني وإن كان لا يبعد الأول أنّ قاعدة (إلزموهم بما التزموا به) تقتضي كون الحرام عندهم من أطعمتنا كذبائحنا بالنسبة إلى اليهود -مثلاً- لا يجوز لهم أن يُطعموه -وفي الكلام مناقشة- وَ حَلّت لكم الْمُحْصَنَاتُ ، أي العفائف اللاتي أَحصنّ أنفسهنّ عن الحرام مِنَ النساء الْمُؤْمِنَاتِ بأن تنكحوهنّ، أما الزُنات غير العفائف فالمشهور بين العلماء جواز نكاحهنّ بالسنّة ولا مفهوم للآية حتى يمنع عن ذلك لما ثَبَتَ في الأصول من عدم حجّيّة مفهوم اللقب وإنما خُصّصن لأنهنّ الطيّبات وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ ، أي أُعطوا الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وهم اليهود والنصارى والمجوس -فإنّ للفرقة الثالثة كتاباً على الصح- وقد إختلف العلماء في جواز نكاحهنّ نكاحاً دائماً بعد كون المشهور جواز نكاحهنّ منقطعاً، ولو قلنا بعد الجواز الدائم فهو تخصيص بالنسبة وقد ثَبَتَ جواز تخصيص الكتاب بالسنّة الواردة إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، أي أعطيتموهنّ مهورهنّ وليس معنى الإعطاء الفعلي بل ذلك وإن كان في المستقبل، ولا مفهوم للآية بالنسبة إلى الحكم الوضعي حتى يكون مَن لا يريد الإعطاء إطلاقاً ولم يُعطَ تُحرم عليه المرأة المزوجة بل المراد الحكم التكليفي، أي إنّ ذلك حرام لا يجوز وهذا تحريض للإعطاء، في حال كونهم مُحْصِنِينَ بالمسلمة أو الكتابية بأن كان إقترابكم منهنّ بالإحصان والنكاح غَيْرَ مُسَافِحِينَ تأكيد لقوله (مُحصِنين) والسِفاح هو الزنا وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ الخدن هو الصديق وهو أن ينفرد الرجل بالمرأة يزني بها دائماً فهي وهو خدنان، أي أنه لا يجوز للرجل بالنسبة إلى المسلمة والكتابية ذلك كما لا يجوز العكس، وقد تقدّم شبه هذا في سورة النساء، ومعنى الآية جملة أنّ إقتراب المرأة المسلمة العفيفة والكتابية العفيفة يجوز لكم ويطيب واعطوا مهورهنّ لكن اللازم أن يكون الإقتراب بالنكاح لا بالسفاح أو باتخاذهنّ أخداناً كما يكثر الأمران عند غير المسلمين، ثم إنّ ما ذكرناه من المحرّمات والمحلّلات كلها من مقتضيات الإيمان الواجب التمسّك به وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ إنه تعبير آخر عن المعصية والخروج عن الطاعة، ولعلّ الإتيان بهذه اللفظة هنا لإفادة أنّ الكفر -في باب المحلّلات والمحرّمات- ليس بالأصول وإنما هو بالفروع، وقد تقدّم في بعض الآيات أنّ الكفر قسمان كفر بالأصول وهو الموجب لخروج الإنسان عن كونه مسلماً، وكفر بالفروع -كما قال في سورة الحج (ومَن كَفَر) وقال (ولئن كفرتم) وهو الموجب لكون الإنسان فاسقاً فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ معنى الحبط عدم إستحقاق الثواب على العمل كما قال سبحانه (إنما يتقبّل الله من المتّقين) وَهُوَ الكافر بالإيمان فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ الذين خسروا أنفسهم حيث استحقّوا العقاب حين إستحقّ سائر المطيعين الثواب .