وفي سياق ذِكر الطيّبات والملاذ الجسدية يأتي دور الطيّبات والملاذ الروحية التي من أكثرها طيباً ولذة الصلاة بما لها من طهارة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ،أي أردتم إياها فإنّ المريد لشيء يقوم إليه ليأتي به ألا ترى إنّ الناس يقعدون على أشغالهم فإذا أذّنَ المؤذّن يقومون إلى الصلاة ليأتوا بها فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ من قصاص الشعر إلى الذقن طولاً وما اشتملت عليه الإبهام والوسطى عرضاً بالماء الطاهر المباح غسلاً طبيعياً من الأعلى إلى الأسفل وَ اغسلوا أَيْدِيَكُمْ ولما كان المنصرف من اليد تمام اليد إلى الكف أخرجه بقوله إِلَى الْمَرَافِقِ فإنّ الغسل يستثنى منه غسل العضد ولذا لا يُستفاد من (إلى) هذه كونها للغسل بل المستفاد كونها غاية للمغسول فإنك لو قُلت لمصاب بالمرض : دهّن رجلك إلى الركبة، لم يُستفد عُرفاً منه لزوم كون التدهين من الأصبع إلى الركبة بل استُفيد كون الفخذ خارجاً عن التدهين، وعلى هذا فاللازم الإبتداء من الأعلى لأنه الغسل الطبيعي الذي وردت به السنّة وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ الباء للتبعيض، أي بعض رؤوسكم وهو الربع المقدّم من الرأس من المفرق إلى قصاص الشعر وَ امسحوا أَرْجُلَكُمْ والمراد بهما ظهرهما إِلَى الْكَعْبَينِ وهما قبّتا القدمين وإنما قُرء بالنصب مع أنه معطوف على المجرور باعتبار المحل وقد كان الترتيب المُجزي قطعاً في باب الوضوء غسل الوجه ثم اليد اليمنى ثم اليسرى ثم مسح الرأس ثم الرجل اليمنى ثم الرجل اليسرى والمسح ببقية بلل الوضوء وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا الجُنُب لفظ يقع على المفرد والمثنّى والجمع والمذكّر والمؤنّث بلفظ واحد هو من البُعد، كأنّ الإنسان إذا اعترته هذه الحالة يبتعد من النظافة، وحصول الجنابة بالإنزال أو الإدخال فَاطَّهَّرُواْ من تطهّر ثم أُدغِمت التاء في الطاء وجيء بهمزة الوصل لامتناع الإبتداء بالساكن، والتطهير هو الإغتسال بالإرتماس في الماء مرة واحدة أو الترتيب بغسل الرأس والرقبة ثم الجانب الأيمن ثم الجانب الأيسر وَإِن كُنتُم مَّرْضَى لا تتمكّنون من إستعمال الماء للوضوء أَوْ عَلَى سَفَرٍ ، أي مسافرين -وقد سبق أن ذُكر السفر لغلبة عدم وجود الماء فيه- أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ والغائط هو المحل المنخفض من الأرض وسمّي البرازية بعلامة الحال والمحل وذلك كناية عن الحدث أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء وهو كناية عن الجماع فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء هذا مرتبط بالسفر والحدث واللمس فَتَيَمَّمُواْ معنى الآية بالجملة أنّ مريد الصلاة يلزم عليه الوضوء والغُسل إن كان جُنُباً -وإن كان مريضاً يضرّه الماء أو مسافراً أو مجامِعاَ- ولم يجد الماء للغُسُل أو الوضوء فليتيمّم، ويبقى قوله (أو جاءَ أحد منكم من الغائط) فإنه ليس في رديف تلك الأمور، ولعلّ الإتيان به مراعاة غَلَبة التخلّي عند إرادة الصلاة، وقد سبق أنّ التيمّم مصدر باب التفعّل بمعنى القصد، أي إقصدوا صَعِيدًا ، أي أرضاً طَيِّبًا ليس بنجس ولا مغصوب فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ الباء للتبعيض، أي بعض وجوهكم وهو من قصاص الشعر إلى طرف الأنف الأعلى وَأَيْدِيكُم من الزند إلى رؤوس الأصابع مِّنْهُ ، أي مبتدِءاً بالمسح من ذلك الصعيد فاللازم أن يضرب باليدين على الأرض ثم يمسح بها -ليصدق (منه)- مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ من ضيق فأمره بالوضوء والغُسل والتيمّم ليس لأجل التضييق عليكم وَلَكِن يُرِيدُ الله سبحانه لِيُطَهَّرَكُمْ وينظّفكم من الأدران وال,ساخ الظاهرية والباطنية، أما تطهير الغُسل والوضوء من الأدران فظاهر وأما تطهير التيمّم فقد ثَبَتَ في العلم الحديث أنّ التراب يقتل الجراثيم بمرتبة أضعف من مرتبة الماء -أنظر : الخليلي ، سلسلة منابع الثقافة الإسلامية ، إصدار كربلاء (العراق)- وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ بإرشادكم إلى مصالحكم كلها بعد ما أرشدكم إلى أكبر النِعَم وهو الإيمان لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إياه بما أنعم عليكم وأرشدكم إلى مصالحكم وما يقرّبكم منه سبحانه .