قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾
القراءة:
قرأ حمزة والكسائي وخلف " ساحر " بألف هاهنا وفي أول سورة يونس، وفي هود، وفي الصف. وأفقههم ابن عامر وعاصم في يونس. وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنه من صفعة يوم القيامة كما أن ما قبله من صفتها ومن خطاب الرسل بالمسألة والتذكير بالنعمة لتوبيخ من يستحق التوبيخ من أممهم وتبشير من يستحق البشارة منهم. العامل في (إذ) يحتمل أحد أمرين:
أحدهما: الابتداء عطفا على قوله " يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم " قال وذلك " إذ قال " فيكون موضعه رفعا كما يقول القائل كأنك بنا قد وردنا بلد كذا فصنعنا فيه وفعلنا إذ صاح بك صائح فأجبته وتركتني.
الثاني: اذكر إذ قال الله. وقال بعضهم ان معناه ماذا أجبتم على عهد عيسى. قال الرماني: هذا غلط، لأنه من صفة (يوم القيامة) وعندي لا يمتنع أن يكون المراد بذلك اخبار النبي صلى الله عليه وآله إذ قال الله لعيسى بن مريم إذكر، أي أخبر قومك ما أنعمت به عليك وعلى أمك، واشكر ذلك إذ أيدتك بروح القدس. وروح القدس هو جبرائيل وحسن قوله " إذ قال " ولم يقل (يقول) لأنه عطف على ما قبله لأنه قدم ذكر الوقت. وتأييد الله هو ما قواه به وأعانه على أمور دينه، وعلى رفع ظلم اليهود والكافرين عنه. ووزن " أيدتك " فعلتك من الأيد على وزن قربتك. وقال الزجاج: يجوز أن يكون فاعلتك من الأيد. وقرأ مجاهد: أيدتك على وزن أفعلتك من الأيد. وروح القدس جبرائيل قال الحسن والقدس هو الله. وقوله " تكلم الناس في المهد " أي انك تكلم الناس في حال ما كنت صبيا في المهد - والمهد حجر أمه، في قول الحسن - وفي حال ما كنت كهلا. قال أبو علي فكان كلم الناس في هذين الوقتين بتبليغه إياهم ما أرسله الله به إلى عباده، وما يدعوهم إليه من طاعة الله وتصديق رسله، لأنه كان بين لهم عند كلامه في المهد " اني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا " ( 1 ) فبين لهم في هذا وفي وقت ما صار كهلا ان الله بعثه نبيا ولم يتكلم أحد من الأنبياء في المهد سواه ولم يبعث أحد عندما ولد غيره، فذكره هذه النعمة التي خصه بها ليشكره على ذلك. ونصب قوله " كهلا " يحتمل أمرين:
أحدهما: على أن يكون عطفا على موضع تكلم أي أيدتك صغيرا وكهلا.
الثاني: أن يكون عطفا على موضع في المهد، أي وتكلمهم كهلا بالرسالة. وقوله " وإذ علمتك الكتاب " يعني واذكر " إذ ". وقيل في معنى (الكتاب) قولان:
أحدهما: انه أراد الخط الكتابة.
1 - سورة 19 مريم آية 30 - 32.