إِذْ قَالَ اللّهُ ، أي يقول، فإنّ المضارع المتحقّق الوقوع ينزل منزلة الماضي، ومحل (إذ) نصب على (إتّقوا)، أي إتّقوا زمان يقول الله : ياعيسى، أو على تقدير (إذكُر) يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ وذَكَرَ (ابن مريم) إستنكاراً لقول النصارى أنه إبن الله اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ والمراد بالنعمة جِنسها، لا نعمة واحدة، ومعنى ذِكر النعمة شُكرها، والإتيان بما يستحق المنعم بها، ومن المعلوم أنّ النعمة على الوالدة بالعفاف والطهارة وغيرهما من أعظم النِعَم على الولد، فهي مما تستحق الشكر، ثم فسّر سبحانه بعض نعمه بقوله إِذْ أَيَّدتُّكَ ، أي قوّيتك ونصرتك بِرُوحِ الْقُدُسِ ، أي الروح المنزّه عن الأدران، وهو جبرئيل (عليه السلام) أو مَلَك آخر، أو روح منفوخة فيه تحفظه عن الزلل، فإنّ الأنبياء والأئمة مزوّدون بروح طاهرة تحفظهم وتُرشدهم بأمر الله سبحانه تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ ، أي في حال كونك صبيّاً، فإنه (عليه السلام) قال (أنّي عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيّاً وجعلني مُباركاً أين ما كنتُ وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمتُ حيّا) .. إلخ وَكَهْلاً ، أي في حال كونك كهلاً، وهو قبل سن الشيخوخة، وهذا من تتمة الكلام، يعني أنك تكلّم الناس في الحالين، لا كسائر الناس الذين لا يتكلّمون إلا في حالة واحدة وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ ، أي جِنس الكتاب المُزل من السماء، فإنه كانت كُتب نازلة على الأنبياء السابقين، وقد كان (عليه السلام) تعلّمها بتعليم الله سبحانه وَالْحِكْمَةَ وهي علم الأشياء على واقعها فإنّ معرفة الكتب غير معرفة الحكمة، وأن يكون الإنسان بحيث يعلم الأمور ومواضعها وَالتَّوْرَاةَ وهي الكتاب المنزَل على موسى (عليه السلام) وَالإِنجِيلَ وهو الكتاب المنزَل على المسيح نفسه (عليه السلام) وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ، أي على قالب الطير وهيكله، ومن المعلوم أنّ هذا النحو من التجسيم لم يكن حراماً لأنه كان بأمر الله وليس للتحريم عقلياً حتى لا يمكن التخصيص فيه بِإِذْنِي ولعلّ بإذني إشارة إلى ذلك، أو إنّ الخلق إنما كان بقدرته، إذ لو لم يأذن الله لم يتمكن أحد من خلق شيء وصنعه فَتَنفُخُ فِيهَا ، أي في تلك الهيئة التي خلقتها، ولا يخفى أنّ الروح جسم لطيف فيمكن أن ينفخ المسيح (عليه السلام) بإذن الله ذلك الجسم في الهيكل المصنوع فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ، أي طيراً حقيقياً كسائر الطيور بأمري وإرادتي وَتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ، أي تُشفي الذي وُلد أعمى وَالأَبْرَصَ الذي به البَرَص بِإِذْنِي ، أي بأمري وإرادتي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى من القبور فتجعلهم أحياءاً بِإِذْنِي وإرادتي فإنك تدعوني لهذه الحوائج وإنما أستجيب دعائك وَإِذْ كَفَفْتُ ، أي منعتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ اليهود عَنكَ فلم يقدروا على قتلك إِذْ جِئْتَهُمْ ، أي حين أتيت إليهم بِالْبَيِّنَاتِ ، أي بالأدلة القاطعة على صحة نبوّتك وصدق كلامك فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بك وجحدوك ولم يؤمنوا بما جئتَ به مِنْهُمْ ، أي من بني إسرائيل إِنْ هَذَا ، أي ما هذا الذي نرى من خوارقك إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ، أي سحر واضح .