۞ التبيان في تفسير القرآن

سورة البقرة، آية ٢١٩

التفسير يعرض الآية ٢١٩

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن تفسير شبر التبيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

۞ يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِۖ قُلۡ فِيهِمَآ إِثۡمٞ كَبِيرٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثۡمُهُمَآ أَكۡبَرُ مِن نَّفۡعِهِمَاۗ وَيَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلِ ٱلۡعَفۡوَۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ ٢١٩

۞ التفسير

التبيان في تفسير القرآن

قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾

القراءة:

قرأ أهل الكوفة إلا عاصم " إثم كثير " بالثاء. الباقون بالباء، وقرأ أبو عمرو وحده " قل العفو " بالرفع. الباقون بالنصب.

اللغة:

قال أكثر المفسرين: الخمر عصير العنب إذا اشتد. وقال جمهور أهل المدينة: ما أسكر كثيره فهو خمر، وهو الظاهر في رواياتنا. وأما اشتقاقه في اللغة: تقول خمرت لدابة أخمرها خمرا إذا سقيتها الخمر، وخمرت العجين والطين أخمره خمرا: إذا تركته فلم تستعمله حتى يجود. وأخمر القوم إخمارا: إذا تواروا في الشجر. ويقال لما سترك من شجر: خمرى ( 1 )، مقصورا، واختمرت المرأة، وخمرت إذا لبست الخمار: وهي المقنعة. وخامره الحزن مخامرة إذا خالطه. وخمر الاناء وغيره تخمرا: إذا غطيته، واستخمرت فلانا: إذا استعبدته. والخمار بخار يعقبه شرب الخمر. والمخامرة: المقاربة. والخمر: ما وارك من الشجر، وغيره. والخمر: شبيه بالسجادة. والمخمرة من الغنم: سوداء ورأسها أبيض. ودخل في خمار الناس: إذا دخل في جماعة، فخفي فيهم، وأصل الباب الستر. والميسر: قال ابن عباس، وعبد الله بن مسعود، والحسن، ومجاهد، وقتادة، وابن سيرين: هو القمار كله وهو الظاهر في رواياتنا. واشتق الميسر من اليسر، وهو وجوب الشئ لصاحبه، من قولهم: يسر لي هذا الشئ: إذا وجب لي، فهو تيسر لي يسرا، وميسرا، والياسر: الواجب بقداح وجب لك أو غير ذلك. وقيل للمقامر: ياسر، ويسر، قال النابغة:

أو ياسر ذهب القداح بوفره * أسف تأكله الصديق مخلع ( 2 )

يعنى القامر. وقيل أخذ من التجزءة، لان كل شئ جزأته، فقد يسرته، والياسر: الجازر. والميسر: الجزور. وقيل الميسر مأخوذ من اليسر، وهو تسهل الشئ، لأنهم - كانوا - مشتركون في الجزور، ليسهل أمرها إلا أنه المعنى الجهة: القمار.

المعنى:

وقوله: " قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس " فالنفع التي في الخمر: ما كانوا يأخذونه في أثمانها، وربح تجارتها، وما فيها من اللذة بتناولها: أي فلا تغتروا بالنفع فيها، فالضرر أكثر منه. وقال الحسن، وغيره: هذه الآية تدل على تحريم الخمر، لأنه ذكر أن فيها إثما، وقد حرم الله الاثم بقوله: " قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم " ( 3 ) على أنه قد وصفها بأن فيها إثما كبيرا والكبير يحرم بلا خلاف. وقال قوم: المعنى وإثمهما بعد تحريمهما أكبر من نفعهما قبل تحريمهما. وقال آخرون: المعنى إن الاثم بشرب هذه، والقمار بها أكبر وأعظم، لأنهم كانوا إذا استكروا وثب بعضهم على بعض، وقاتل بعضهم بعضا. وقال قتادة: لا تدل الآية على تحريمهما، وإنما تدل الآية التي في المائدة في قوله: " إنما الخمر والميسر " ( 4 ) إلى آخرها. ووجهه قتادة على أنه قد يكثر فيهما " إثم كبير ". وقوله: " يسألونك ماذا ينفقون " قال السدي: نسخته آية الزكاة. وقال مجاهد: هو فرض ثابت. وقال قوم: هو أدب من الله ثابت غير منسوخ، وهو الأقوى، لأنه لا دليل على نسخها. و "؟" هنا قيل في معناه ثلاثة أقوال: قال ابن عباس، وقتادة: هو ما فضل عن الغنى. وقال الحسن، وعطا: هو الوسط من غير إسراف ولا إقتار. وقال مجاهد: هو الصدقة المفروضة. وروي عن أبي جعفر (ع) أن العفو: ما فضل عن قوت السنة، فنسخ ذلك بآية الزكاة. وروي عن أبي عبد الله (ع) أن العفو هاهنا: الوسط. والعفو مأخوذ من الزيادة ومنه قوله: " حتى عفوا " ( 5 ) أي حتى زادوا على ما كانوا عليه من العدد قال الشاعر:

ولكنا نعض السيف منها * باسبق عافيات الشحم كوم ( 6 )

أي زايدات الشحم. وقال قوم: هو مأخوذ من الترك من قوله: " فمن عفي له من أخيه شئ " ( 7 ) أي ترك له، فيكون العفو المتروك غنى عنه، ومن رفع معناه ما الذي ينفقون، وفي الأول كأنه قال: أي شئ ينفقون، فقالوا: العفو. وإنما وحد الكاف في كذلك، وإن كان الخطاب لجماعة، لاحد أمرين:

أحدهما: في تقدير كذلك أيها السائل.

الثاني: أن يكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله ويدخل فيه الأمة، كما قال: " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء " ( 8 ) وقوله: " لعلكم تتفكرون " أي لكي تتفكروا، وهي لام الغرض. وفي ذلك دلالة على أن الله تعالى أراد منهم التفكر سواء تفكروا أو لم يتفكروا.

1 - في المطبوعة (ضرأ) وهو تصحيف.

2 - لم أجد هذا البيت في شعر النابغة، وهو موجود في تفسير الطبري 4: 322. الياسر: المقامر. القداح: تستعمل في لعب القمار الوفر: المال الكثير. مخلع: قد لعب في القمار مرة بعد مرة. وكأنه يصف لاعب قمار قد خسر ماله الواسع وقد أسف عليه عندما رأى أصدقاءه الذين يلعبون دائما قد أخذوه منه وتقاسموه.

3 - سورة الأعراف آية: 32.

4 - آية: 93.

5 - سورة الأعراف آية: 94.

6 - قائله لبيد بن ربيعة، ديوانه: 19 رقم القصيدة: 3 في المطبوعة " يعض السيف منا " وهو خطأ، لان هذا البيت من قصيدة يفتخر في كرمهم: يقول:.

7 - سورة البقرة آية: 187.

8 - سورة الطلاق آية: 1.