۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة إبراهيم، آية ٢٢

التفسير يعرض الآية ٢٢

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن تفسير شبر التبيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَقَالَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَمَّا قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَآ أَنتُم بِمُصۡرِخِيَّ إِنِّي كَفَرۡتُ بِمَآ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٢

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

وهنا يأتي الشيطان ليلوم أتباعه ، في أتّباعه ويتبرّأ منهم ، ويقطع بذلك آخر أمل لهم في النجاة ، فقد اتبعوا الشيطان في الدنيا ، فلعله يخلصهم بمكر أو حيلة ، مما يشاهدونه (وَقالَ الشَّيْطانُ) لأتباعه الذين اتبعوه في الدنيا فكفروا أو عصوا ، مما أوردهم النار في عاقبة الأمر (لَمَّا قُضِيَ (1) فصلت : 18. الْأَمْرُ) وفرغ الحاكم من الحكم على أتباعه بالنار والعذاب ، ولعل الإتيان بهذه الجملة ، بيان أنه لا يفيد شيء أصلا ، فقد انتهى الموضوع تماما ، (إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ) أيها البشر العاصون ، إنكم إذا آمنتم وعملتم الصالح جزاكم بالجنة والنعيم (وَعْدَ الْحَقِ) لم يكن فيه باطل وكذب وخداع (وَوَعَدْتُكُمْ) أن لا بعث ولا نشور ولا حساب ولا عقاب ، فافعلوا ما شئتم (فَأَخْلَفْتُكُمْ) أي كذبتكم ، ونسبة الخلف إلى نفسه ، للتشبيه بالذي وعده فيخلف ، للتقابل مع وعد الله سبحانه الذي يوفي ، وإلا فالخلف ليس من الشيطان ، وإنما اللازم أن يقول فكذبتكم في الوعد ـ أو على الأدق في الأخبار بأنه لا شيء هناك (وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ) أيها العصاة (مِنْ سُلْطانٍ) تسلط وقهر ، فلم يكن امتثالكم أمري جبرا منّي لكم ، (إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ) إلى نقض أوامر الله ومخالفته (فَاسْتَجَبْتُمْ لِي) وقد كانت دعوتي بالوسوسة والخفاء ، فلم تكن كدعوة الله سبحانه ببعث الرسل ونصب الحجج ، وإقامة الأدلة والبراهين وبيان المصالح في الأوامر والمفاسد في الزواجر ، والاستثناء منقطع إذ الدعوة لا تكون سلطانا وقد ذكرنا سابقا أن الاستثناء المنقطع إنما يؤتى به لفرض الكلام سابقا مطلقا ، ففي المقام ، كأنه قال «فلم يكن مني بالنسبة إليكم «إلا الدعوة» «أما السلطة فلا» (فَلا تَلُومُونِي) من الملامة ، أي لا تلقوا تبعة عقابكم عليّ (وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ) فأنتم خالفتم الحجة بمجرد الوسوسة والإغراء حيث كنتم تعلمون أنه خادع زائف ، أما الحال فاعلموا أنه (ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ) من صرخ ، والإصراخ الإغاثة بإجابة الصارخ ، يقال : استصرخني فلان فأصرخته ، أي استغاث بي فأغثته ، والمعنى أنا لا أتمكن من إغاثتكم وخلاصكم من العذاب (وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَ) وأنتم لا تتمكنون من إغاثتي من عذاب الله الذي يحل بي ، فإن للشيطان النصيب الأوفر من العذاب ، ولا مصرخ له ـ كلما يستغيث ـ فإن أتباعه يتبرءون منه ، كما تبرأ منهم ، ولا يتمكنون هم علاجا لأنفسهم فكيف يتمكنون من علاج للشيطان؟ أما الله وأنبيائه ، وسائر عباده الصالحين ، فهم أعداء الشيطان ، كما هو عدوهم ، فهل ينقذونه من العذاب ، (إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ) أيها الأتباع ، أي إني جحدت ، الآن أن أكون شريكا لله تعالى ، فيما أشركتموني فيه ، فقد كان المشركون يشركون الشيطان عمليا مع الله سبحانه ، فيعملون قسما من أعمالهم حسب أمر الله ، وقسما أكبر حسب أمر الشيطان ، وهذا هو الشرك ، ثم قال لهم كلمته الأخيرة (إِنَّ الظَّالِمِينَ) الذين ظلموا أنفسهم وغيرهم من الناس (لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) مؤلم موجع ، فلا مناص ولا خلاص.