ثم ينتقل السياق ، بعد أعمال الكفار المتطايرة ، إلى مشهد آخر من مشاهد الآخرة ، يقع فيه النزاع والتخاصم بين الرؤساء ، والمرؤوسين والشيطان ، فقد أعزى بعضهم بعضا ، وهناك تنازع وتخاصم هذه الفئة تلك : لماذا أوصلتها إلى هذا المصير المرّ الأليم؟ (وَبَرَزُوا) أي ظهر الكفار يوم القيامة (لِلَّهِ) في ساحة عدله ـ تشبيها بظهور الخصماء أمام الحاكم في ساحات المحكمة في الدنيا ـ (جَمِيعاً) فليس أحد منهم غائبا ، حتى لا يتم الخصام ويؤجل إلى غد وبعد غد ، وحيث أن ذلك مستقبل متحقق الوقوع ، جاء بلفظ الماضي «برزوا» (فَقالَ الضُّعَفاءُ) التابعون لرؤساء الكفار (لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) عن قبول الحق ، وهم الرؤساء الذين رأوا في قبول الإيمان ذهابا لكيانهم ، وتنقيصا لرئاستهم فبقوا على الكفر ، وجروا إليهم الضعفاء ، (إِنَّا كُنَّا لَكُمْ) أيها المستكبرون (تَبَعاً) أتباعا في الدنيا ، وتبع جمع تابع ، كغيب جمع غائب ، (فَهَلْ أَنْتُمْ) أيها الرؤساء (مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ)؟ أي هل أنتم دافعون عنا شيئا من عذاب الله الذي قد نزل بنا ، فإن لم تقدروا على دفع الكل فادفعوا البعض ، جزاء لنا حيث اتبعناكم في الدنيا ، فإن التابع إنما يتبع ، لأن يدفع المتبوع عنه ضرا ، أو يجلب قالُوا لَوْ هَدانَا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ (21) وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ ____________________________________ إليه نفعا (قالُوا) أي قال الرؤساء المتبوعون في جواب استفهام التابعين (لَوْ هَدانَا اللهُ) في الدنيا (لَهَدَيْناكُمْ) لكنا ضللنا فأضللناكم ، فلا تبعة علينا ، إنما التبعة على من عنده ولا يعطي ، أما من ليس عنده فلا لوم عليه أن لا يعطي ، وهذا جواب فراري ، يريدون بذلك التخلص من أيدي الضعفاء الذين ضعفت نفوسهم ، فجعلوا أنفسهم عبيدا مقلدين لأولئك الرؤساء المستكبرين ، وإلا ، فالله سبحانه هداهم ، لكنهم أعرضوا ، كما قال سبحانه (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى) (1) أو المراد أنهم يقولون : لو هدانا الله هنا إلى طريق الوصول والخلاص من العقاب لأريناكم ذلك الطريق لتنجوا أنتم أيضا ، ولكن لا نعرف الطريق حتى نهديكم إليه ، ثم يعلن المتكبرون أن الأمر قد قضي وأنهم لا محالة في العذاب ، من غير فرق بين أن يصبروا أو يجزعوا ، فليس هناك كالدنيا يفيد الجزع حينا ، والصبر حينا (سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا) والجزع ضد الصبر (ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ) أي ليس لنا محيص ومهرب عن عذاب الله ، من حاص يحيص ، بمعنى حاد يحيد وفر عن المكروه.