ولكن الأب الرؤوف خاف على أولاده من العين فقد كانوا جماعة أبطالا حسني المنظر والجمال ، وجميعا أولاد رجل واحد فإذا رآهم الرائي ملؤوا قلبه وعينه ، ولذا وصاهم بالتفرق عند دخول المدينة (وَقالَ يا بَنِيَ) أصله بنوني وهو جمع ابن مضافا إلى ياء المتكلم ، لكن نون الجمع حذف بالإضافة ـ على القاعدة ـ والواو أدغم في ياء المتكلم. كما نقلت ضمة النون إلى الباء (لا تَدْخُلُوا) مصر (مِنْ بابٍ واحِدٍ) حتى تصيبكم العين (وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ) فقد كانت المدن ـ سابقا ـ ذات أسوار وأبواب ، (وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ) أي ما أدفع من قضاء الله من شيء إن كان قد قضى عليكم الإصابة بالعين ، يقال : أغنى عنه ، إذا دفع عنه ، وأصله الكفاية ، كأن الشخص يكفيه عن أمر يدهمه ، وقد قال ذلك يعقوب على وجه التسليم له سبحانه منبها أن أمري إنما كان لأجل الطوارئ ، أما إذا كان شيء حتما فلا دافع له (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) أي ليس الحكم في الأمور ـ التي منها إصابتكم بالعين أو عدم إصابتكم ـ إلا لله سبحانه (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) في أن يرد عنكم عين الحساد ويرجعكم إليّ سالمين. (وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) أي المريدون للتوكل على أحد ، عليهم أن يتوكلوا عليه ، ويفوضوا أمورهم إلى الله سبحانه لا إلى غيره وهذا لا ينافي الأخذ بالحزم حسب الموازين التي قررها سبحانه في الكون.