قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ﴾
القراءة:
قراء حمزة " وعبد الطاغوت " بضم الباء وخفض التاء يريد خدم الطاغوت في قول الأعمش، ويحيى بن رئاب. الباقون بفتح الباء والدال ونصب التاء قال أبو علي: حجة حمزة أنه حمل على ما عمل فيه (جعل) كأنه قال وجعل منهم من عبد الطاغوت. ومعنى (جعل) خلق، كما قال " وجعل منها زوجها " ( 1 ) وقال " وجعل الظلمات والنور " ( 2 ) قال: وليس (عبد) لفظ جمع لأنه ليس في أبنية الجمع شئ على هذا البناء لكنه واحد في موضع جمع كما قال " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " ( 3 ) وجاء على (فعل) لان هذا البناء يراد به الكثرة نحو يقط وندس و (عبد) في الأصل صفة، وان كان استعمل استعمال الأسماء، ولا يزيل ذلك عنه كونه صفة كما لم يزل في الأبرق والأبطح حيث كسر تكسير الأسماء لم يزل عنهما معنى الصفة بدلالة أنهم تركوا صرفهما كما تركوا صرف (أحمر) ولم يجعلوه كأوكل وابدع. وأما من فتح فإنه عطفه على مثال الماضي الذي في الصلة، وهو قوله " لعنه الله وغضب عليه " وأفرد الضمير في (عبد) وإن كان المعنى فيه كثرة لان الكلام محمول على لفظ (من) دون معناه، ولو حمل الكلام أو البعض على المعنى لكان صوابا قال الفراء: وقرأ أبي وعبد الله " وعبد الطاغوت " على الجمع، والمعنى والذين عبد الطاغوت - بضم العين والباء - مثل ثمار وثمر، وعبيد وعبد، على أنه جمع جمع، ويكون المعنى وجعل منهم عبد الطاغوت كما تقول: جعلت زيدا أخاك أي نسبته إليك ويجوز على هذا رفع الدال على تقدير، وهم عبد الطاغوت لكن لم يقرأ به أحد. قال: ولو قرأ قارئ وعبد الطاغوت كان صوابا يريد به عبدة الطاغوت ويحذف الهاء للإضافة كما قال الشاعر: قام ولاها فسقوه صر خدا ( 4 ) يريد ولاتها وحكي في الشواذ و (عبد الطاغوت) على ما لم يمسي فاعله، ذكره الرماني. قال الطبري هي قراءة أبي جعفر المدني. وحكى البلخي (عابد الطاغوت، وعبد الطاغوت) مثل شاهد وشهد. وحكى أيضا (عباد الطاغوت) مثل كافر وكفار، ولا يقرأ بشئ من ذلك. وقال الطبري عن بريدة الأسلمي انه قرأ (عابد الطاغوت) فهذه ثمانية أوجه، لكن لا يقرأ إلا بقرائتين أو ثلاثة، لان القراءة متبوعة يؤخذ بالمجموع عليه، قال الفراء (عبد) على ما قرأ حمزة إن كانت لغة فهو مثل حذر وحذر، وعجل وعجل فهو وجه والا فإنه أراد قوله الشاعر:
أبنى لبيني إن أمكم * أمة وإن أباءكم عبد ( 5 )
فحرك وهذا في ضرورة الشعر لا في القراء وأنشد الأخفش:
أنسب العبد إلى آبائه * اسود الجلدة من قوم عبد ( 6 )
أما الله تعالى في هذه الآية نبيه صلى الله عليه وآله أن يخاطب الكفار ويقول لهم " هل أنبئكم " أي هل أخبركم " بشر من ذلك " أي من الذي طعنتم عليه من المسلمين، ومما رغبتم عنه ونقمتم عليه، وإنما قال " بشر من ذلك وان لم يكن من المؤمن شر وكذلك قوله " أولئك شر مكانا " على الانصاف في الخطاب والمظاهرة في الحجاج لان الكفار يعتقدون ان هؤلاء أشرار، وأن ما فيهم شر فخرج على ما يعتقدونه. وقوله: " مثوبة " معناها الثواب الذي هو الجزاء ووزنها مفولة مثل مقولة ومجوزة ومضوفة على معنى المصدر وقال الشاعر:
وكنت إذا جاري دعا لمضوفة * أشمر حتى ينصف الساق مئزري ( 7 )
وقال أبو عبيدة هي (مفعلة) مثل مكرهة ومعقلة ومشغلة. وموضع (من) يحتمل ثلاثة أوجه من الاعراب:
أحدها: الجر والتقدير بشر من ذلك لمن لعنه الله والرفع على من لعنه الله، وا لنصب على أنبئكم من لعنه الله. وقيل في معنى (الطاغوت) قولان:
أحدهما: قال الحسن: هو الشيطان، لأنهم أطاعوه طاعة المعبود.
1 - سورة الأعراف آية 188.
2 - سورة الأنعام آية 1.
3 - سورة الرعد آية 34 وسورة النحل آية 18.
4 - معاني القرآن للفراء 1: 314. والطبري 1: 441 (صرخد) موضع في الشام تنسب له الخمرة الجيدة.
5 - قائله أوس بن حجر. ديوانه القصيدة: 5 البيت 4 ومعاني القرآن للفراء 1: 14، 315 واللسان (عبد).
6 - اللسان (عبد).
7 - قائله أبو جندب الهذلي. اشعار الهذليين 3: 92 ومجاز القرآن لأبي عبيدة 170 واللسان (ضيف)، (نصف). المضيفة، والمضافة: الامر يشفق منه وقد روي البيت بهما جميعا.