قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وآله نهاه الله أنه يحزنه الذين يسارعون في الكفر أي يبادرون فيه. و (يحزنك) - بفتح الياء وضمها - لغتان. وقد قرئ بهما. وقد قدمنا ذكره مستوفى من المنافقين " الذين قالوا آمنا " يعني صدقنا " بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم " يعني لم تصدق قلوبهم " ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك " وقف ههنا. و " سماعون " فيه مبالغة من سامع مثل جابر وجبار. وقيل في رفع " سماعون " قولان:
أحدهما: قال سيبويه رفع على الابتداء والخبر " من الذين هادوا كما تقول من قومك عقلاء.
الثاني: قال الزجاج: على أنه خبر الابتداء. وتقديره: المنافقون هم، واليهود سماعون للكذب. وقيل في معنى ذلك قولان:
أحدهما: " سماعون " كلامك للكذب عليك سماعون كلامك " لقوم آخرين لم يأتوك " ليكذبوا عليك إذا رجعوا إليهم أي هم عيون عليك وقيل إنهم كانوا رسل أهل خيبر لم يحضروا. فلهذا جالسوك، هذا قول الحسن والزجاج وأبو علي.
الثاني: قال أهل التفسير " سماعون للكذب " قابلون له كما يقال لا تسمع من فلان أي لا تقبل منه، ومنه سمع الله لمن حسده " سماعون لقوم آخرين " أرسلوا بهم في قضية زان محصن. فقالوا لهم: إن أفتاكم محمد صلى الله عليه وآله بالجلد فخذوه وإن أفتاكم بالرجم فلا تقبلوه، لأنهم قد كانوا حرفوا حكم الجلد الذي في التوراة إلى جلد أربعين، وتسويد الوجه والاشهار على حمار. هذا قول ابن عباس، وجابر، وسعيد بن المسيب والسدي، وابن زيد. وقال قتادة: إنما كان ذلك في قتيل منهم قالوا: إن أفتاكم بالدية فاقبلوه وإن أفتاكم بالقود فاحذروه. وقال أبو جعفر (ع) نزلت الآية في أمر بني النضير وبني قريظة وقوله: " يحرفون الكلم " قيل في معنى (تحريفهم) قولان:
أحدهما: تحريف كلام النبي صلى الله عليه وآله بعد سماعه، للكذب " يقولون إن أو تيتم هذا " أي دين اليهود فاقبلوه " وإن لم تؤتوه فاحذروا " أن تقبلوا خلافه - في قول الحسن وأبي علي.
الثاني: جعلهم بدل رجم المحصن جلد أربعين تغييرا لحكم الله - في قول المفسرين. وقوله: " من بعد مواضعه لان المعنى من بعد استقراره في مواضعه، ومضي الأيام عليه. وقال الزجاج من بعد أن فرض فروضه، وأحل حلاله، وحرم حرامه. ولو قال مكان " بعد مواضعه " عن مواضعه لجاز، لان معناهما متقارب، هذا كما يقول القائل: أتيتك عن فراغي من الشغل، وبعد فراغي منه، ولا يجوز كما قياسا على ذلك أن تقول بدل قولك: رميت عن القوس، رميت بعد القوس، ولا في قولك: جاء زيد بعد عمرو، أن تقول: عن عمرو، لان المعنى يختلف. وذلك أن (عن) لما عدا الشئ الذي هو كالسبب له و (بعد) إنما هي لما تأخر عن كون الشئ، فما صح معنى السبب ومعنى التأخر جاز فيه الأمران، وما لم يصح إلا أحد المعنيين لم يجز إلا أحد الحرفين. وقوله: " ومن يرد الله فتنته " في الفتنة ثلاثة أقوال:
أحدها: قال الزجاج معناه من يرد فضيحته باظهار ما ينطوي عليه.
الثاني: قال السدي من يرد الله هلاكه.
الثالث: قال الحسن وأبو علي والبلخي من يرد الله عذابه من قوله " يوم هم على النار يفتنون " أي يعذبون. وقوله " ذوقوا فتنتكم " أي عذابكم. وقوله " ان الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات " يعني الذين عذبوا. وأصل الفتنة التخليص من قولهم: فتنت الذهب في النار أي خلصته من الغش والفتنة الاختبار تسمى بذلك لما فيها من تخليص الحال لمن أراد الاضلال. وإنما أراد الحكم عليه بذلك بايراد الحجج. ففيه تمييز وتخليص لحالهم من حال غيرهم من المؤمنين. ومن فسره على العذاب فلأنهم يحرقون كما يحرق خبث الذهب فهم خبث كلهم. ومن فسره على الفضيحة فلما فيها من الدلالة عليهم التي يتميزون بها من غيرهم. وقوله " أولئك لم يرد الله أن يطهر قلوبهم " قيل فيه قولان:
أحدهما: قال أبو علي وغيره لم يرد الله أن يطهرها من الحرج والضيق الدال على دنس الكفر عقوبة لهم.
1 - سورة 4 النساء آية 16.
2 - سورة 5 المائدة آية 53.
3 - سورة 5 المائدة آية 46.