۞ الآية
فتح في المصحف۞ أَفَتَطۡمَعُونَ أَن يُؤۡمِنُواْ لَكُمۡ وَقَدۡ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَسۡمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعۡدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٧٥
۞ التبيان في تفسير القرآن
التفسير يعرض الآية ٧٥
۞ الآية
فتح في المصحف۞ أَفَتَطۡمَعُونَ أَن يُؤۡمِنُواْ لَكُمۡ وَقَدۡ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَسۡمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعۡدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٧٥
۞ التفسير
قوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
المعنى:
الألف في قوله أفتطمعون ألف استفهام والمراد به الانكار، كقوله: " ألم يأتكم نذير قالوا بلى " ( 1 ) فإذا كان في الأول نفيا، كان الجواب بلى وإذا لم يكن نفيا كان الجواب لا. وهذا خطاب لامة النبي " ص " فكأنه قال: أفتطمعون أيها المؤمنون أن يؤمنوا لكم من طريق النظر والاعتبار، ونفي التشبيه، والانقياد للحق وقد كان فريق منهم: أي ممن هو في مثل حالهم من اسلافهم يسمعون كلام الله ثم يعلمون انه الحق، ويعاندون فيحرفونه ويتأولونه، على غير تأويله.
وقوله: " وقد كان فريق منهم " والفريق جمع كالطائفة لا واحد له من لفظه وهو فعيل من الفرق سمي به الجمع كما سميت الجماعة بالحزب من التحزب قال أعشى بن تغلبة:
اخذوا فلما خفت ان يتفرقوا * فريقين منهم مصعد ومصوب ( 2 )
وقوله: " منهم " يعني من بني إسرائيل، وإنما جعل الله الذين كانوا على عهد موسى ومن بعد: من بني إسرائيل من اليهود الذين قال الله تعالى لأصحاب محمد " ص " أفتطمعون أن يؤمنوا لكم، لأنهم كانوا آباؤهم واسلافهم، فجعلهم منهم إذ كانوا عشائرهم وفرقهم واسلافهم.
وقوله: " يسمعون كلام الله " قال قوم منهم مجاهد والسدي: إنهم علماء اليهود يحرفون التوراة، فيجعلون الحلال حراما والحرام حلالا ابتغاء لأهوائهم وإعانة لمن يرشوهم.
وقال ابن عباس والربيع وابن إسحاق والبلخي: انهم الذين اختارهم موسى من قومه، فسمعوا كلام الله فلم يمتثلوا امره، وحرفوا القول في اخبارهم لقومهم حتى رجعوا إليهم وهم يعلمون انهم قد حرفوا. وهذا أقوى التأويلين، لأنه تعالى اخبر عنهم بأنهم يسمعون كلام الله والذين سمعوا كلام الله. بلا واسطة هم الذين كانوا مع موسى.
فاما هؤلاء فإنما سمعوا ما يضاف إلى كلامه بضرب من العرف دون حقيقة الوضع. ومن قال بهذا. قال: هم الذين سمعوا كلام الله الذي أوحى الله إلى موسى. وقال قوم هو التوراة التي علمها علماء اليهود. وقوله: " ومن بعد ما عقلوه وهم يعلمون ". قيل فيه وجهان:
أحدهما: وهم يعلمون انهم يحرفونه.
والثاني: من بعد ما تحققوه وهم يعلمون ما في تحريفه من العقاب. والذي يليق بمذهبنا في الموافاة أن نقول: ان معناه وهم يعلمون انهم يحرفونه.
فان قيل فلماذا اخبر الله عن قوم بأنهم حرفوا وفعلوا ما فعلوا من المعاندة ما يجب أن يؤيس من ايمان من هو في هذا الوقت، وأي علقة بين الموضوعين والحالين؟قيل: ليس كلما يطمع فيه يؤيس منه على وجه الاستيقان بأنه لا يكون، لان الواحد من افناء العامة ( 3 ) لا يطمع ان يصير ملكا. ومع ذلك لا يمكن القطع على كل حال ان ذلك لا يكون ابدا.
ولكن لا يطمع فيه لبعده، والله تعالى نفى عنهم الطمع ولم يؤيسهم على القطع والثبات وإنما لم يطمع فيهم لبعد ذلك من الوهم منهم مع أحوالهم التي كانوا عليها. وشبههم بأسلافهم المعاندين، وقد كانوا قادرين على أن يؤمنوا وكان ذلك منه جائزا. وهؤلاء الذين عاندوا - وهم يعلمون - كان قليلا عددهم، يجوز على مثلهم التواطؤ والاتفاق وكتمان الحق، وإنما يمتنع ذلك في الجمع العظيم والخلق الكثير، لامر يرجع إلى اختلاف الدواعي.
فأما على وجه التواطؤ والعمد فلا يمتنع فيهم أيضا، فيبطل بذلك قول من نسب فريقا إلى المعاندة دون جميعهم وان كانوا بأجمعهم كفارا.
1 - سورة الملك: آية 8 و 9.
2 - ديوانه. أجد السير: انكمش فيه واسرع. مصعد: مبتدئ في الصعود إلى نجف والحجاز. ومصوب: منحدر في رجوعه إلى العراق.
3 - اي لا يعلم ممن هو.