۞ التبيان في تفسير القرآن

سورة البقرة، آية ٥٤

التفسير يعرض الآية ٥٤

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن تفسير شبر التبيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ إِنَّكُمۡ ظَلَمۡتُمۡ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلۡعِجۡلَ فَتُوبُوٓاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمۡ فَٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ عِندَ بَارِئِكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ٥٤

۞ التفسير

التبيان في تفسير القرآن

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إلى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾

القراءة:

" بارئكم " أسكن الهمزة فيها أبو عمرو.إلا المعدل وسحارة من طريق الجرمي، وابن مجاهد فكلهم خففوا الهمزة فيها.الا أبا طاهر عن ابن مجاهد عن إسماعيل فإنه قلبها ياء.التقدير وإذ كروا أيضا إذ قال موسى لقومه: " يا قوم انكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل ".وظلمهم إياها كان فعلهم بها ما لم يكن لهم ان يفعلوه بما يستحق به العقاب.وكذلك كل من فعل فعلا يستحق به العقاب فهو ظالم لنفسه.وقد بينا معنى التوبة فيما مضى.( 1 ) واما قوله: " إلى بارئكم ".

اللغة:

فالبارئ هو الخالق الصانع.يقال: برأه.واستبرأ استبراء، وتبرأ تبريا، وباراه مباراة، وبرأه براءة، وتبرئة.قال صاحب العين: البراء مهموز وهو الخلق تقول برأ الله الخلق وهو يبرؤهم وهو البارئ وقال أمية:

الخالق البارئ المصور في * الأرحام ماء حتى يصير دما

والبرء السلامة من السقم.تقول برأ برؤه وبرئت وبرأت وبرؤت براءة.

وتبرأ تبريا لغة في هذا والبراءة من العيب والمكروه لا يقال منه: الا برئ براء وفاعله برئ وفلان برئ وبراء كقوله: إني براء.وامرأة براء.ونسوة براء وبراء على وزن وفعلاء.ومنه قوله: " انا برآء منكم " جمع برئ.ومن ترك الهمزة.قال: براء على وزن فعال.وتقول بارأت الرجل اي برئت إليه.وبرئ إلى مثل ذلك.وبارات المرأة اي صالحتها على المفارقة وابرات الرجل من الضمان والدين وبرأه تبرئة.ويقال: أبرأ الله فلانا من المرض إبراء حسنا، والاستبراء: استبراء الجارية والمرأة بان لا يطأها حتى تحيض.والاستبراء نقاء الفرج من القذر.

وأصل الباب تبري الشئ من الشئ: وهو انفصاله منه.وبرأ الله الخلق اي فطرهم، فإنهم انفصلوا من العدم إلى الوجود.والبرية الخلق، فعيلة بمعنى مفعول، لا يهمز كما لا يهمز ملك وإن كان أصله من الالوكة.وقيل البرية مشتقة من البراوة، وهو التراب، فلذلك لم تهمز.وقيل إنه مأخوذ من بريت العود، فلذلك لم يهمز.

والبراءة من الشئ: المفارقة والمباعدة عنه: وبرئ الله من الكافر: باعده عن رحمته وأنواع الفعل كثيرة: منها الخلق، والانشاء، والارتجاع.والبرء: الفطر.فأما الاحداث، والايجاد والتكوين فكالفعل والجعل: أعم من الفعل، لأنه لما وجد بعد ان لم يكن كقولك: جعلت الطين خزفا.فلم يحدث الخزف في الحقيقة، وإنما احدث ما صار خزفا.وقوله: " فاقتلوا ".

اللغة:

فالقتل والذبح والموت نظائر.وبينها فرق: فالقتل نقض بنية الحياة.والذبح فري الأوداج.والموت عند من أثبته معنى عرض يضاد الحياة.يقال: قتل يقتل قتلا.واقتتلوا اقتتالا.وتقاتلوا تقاتلا.واستقتل استقتالا.وقتل تقتيلا.وقاتله مقاتلة.وقوله تعالى: " قاتلهم الله " ( 2 ) معناه لعنهم الله.وقوم اقتال: اي هم أهل الوتر، والترة: اي هم أعداء وتراةوتقول: تقتلت الجارية للفتى يصف به العشق.وقال الشاعر:

تقتلت لي حتى إذا ما قتلني * تنسكت ما هذا بفعل النواسك ( 3 )

واقتل فلان فلانا: إذا عرضه للقتل.والمقتل من الدواب الذي قد ذل ومرن على العمل.وقلب مقتل: اي قتل عشفا. ومنه قول امرئ القيس: في أعشار قلب مقتل ( 4 ) قال ابن دريد: قتلت الخمر بالماء إذا مزجتها.قال الشاعر:

ان التي ناولتني فرددتها * قتلت قتلت فهاتها

لم تقتل وتقتل الرجل لحاجة اي يأتي لها.ويقتل الرجل للمرأة: إذا خضع لها في كلامه وقتل الرجل: عدوه.والجمع اقتال.وفلان قتل فلان: أي نظيره، وابن عمه وقتله قتله سوء واقتتلوا بمعنى تقاتلوا ومثله قتلوا قال أبو النجم: ندافع الشيب ولم يقتل وناقة ذات قتال وذات كيال، إذا كانت غليظة وثيقة الخلق.في المثل: قتلت ارض جاهلها، وقتل أرضا عالمها.ومقاتل الانسان: هي التي إذا أصيبت قتلت.وأصل الباب: القتل وهو نقض البنية التي تصح معها الحياة.وقال المبرد: واصله إماتة الحركة.وقوله: " قاتلهم الله انى يؤفكون " اي قد حلوا محل من يقال له هذا القول.اي انزل الله بهم القتل.ويقول قتله علما إذا أيقنه وتحققه.وقوله: " فاقتلوا أنفسكم ".

المعنى:

قيل في معناه قولان:

أحدهما: يقتل بعضكم بعضا.ذهب إليه ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والحسن وغيرهم من أهل العلم، كما يقول القائل: قتل آل فلان إذا قتل بعضهم بعضا.

والثاني: ذكره ابن عباس وإسحاق واختاره أبو علي.وهو ان يستسلموا للقتل فجعل استسلامهم للقتل قتلا منهم لا نفسهم على وجه التوسع.

وقيل: ان السبعين الذين اختارهم موسى للميقات أمروا بالقتل لمن سأل الرؤية من بني إسرائيل وقيل: إنهم قتلوا أنفسهم كما أمروا.عمدوا إلى الخناجر وجعل بعضهم يطعن بعضا.

قال ابن عباس وغيره من أهل العلم: ويقال غشتهم ظلمة شديدة فجعل بعضهم يقتل بعضا، ثم انجلت الظلمة، فاجلوا عن سبعين الف قتيل.والسبب الذي لأجله أمروا بقتل أنفسهم ذكره ابن جريج: ان الله علم أن ناسا منهم علموا ان العجل باطلا فلم يمنعهم ان ينكروا الا خوف القتل، فلذلك بلاهم الله ان يقتل بعضهم بعضا.

وقال الرماني: ولابد أن يكون في الامر بالقتل لطف لهم ولغيرهم، كما يكون في استسلام القاتل لطف له ولغيره.فان قيل كيف يكون في قتلهم نفوسهم لطف لهم، وبعد القتل لا تكليف عليهم.واللطف لا يكون لطفا فيما مضى ولا فيما يقاربه قلنا: إذا كان القوم كلفوا ان يقتل بعضهم بعضا وكل واحد منهم يقصد قتل غيره، ويجوز ان يبقى بعده فيكون القتل لطفا له فيما بعد، ولو كان بمقدار زمان يفعل فيه واجبا واحدا: ويمتنع فيه من قبيح.وذلك كما نقول في عبادتنا في قتال المشركين.فان الله تعالى تعبدنا ان نقاتل حتى نقتل ونقتل ومدح على ذلك، فلذلك روى أهل السير ان الذين عبدوا العجل تعبدوا ان يقاتلوا من لم يعبد ويصبروا على ذلك حتى يقتل بعضهم بعضا.

وكان القتل شهادة لمن قتل، وتوبة لمن بقي.وإنما كانت تكون شبهة، لو أمروا بان يقتلوا نفوسهم بأيديهم.ولو صح ذلك لكان لا يمتنع بان يكونوا أمروا بان يفعلوا بنفوسهم الجراح التي تفضي إلى الموت - وان لم يزل معها العقل فينا في التكليف -.وأما على القول الآخر وهو انهم أمروا بالاستسلام والقتل والصبر عليه فلا مسألة لأنهم أمروا بقتل نفوسهم.وعلى هذا يكون قتلهم حسنا، لأنه لو كان قبيحا لما جاز ان يؤمروا بالاستسلام.

وكذلك نقول: لا يجوز ان يتعبد نبي أو امام بان يستسلم للقتل مع قدرته على الدفع عن نفسه، فلا يدفعه لان في ذلك استسلاما للقبيح مع القدرة على الدفع منه، وذلك لا يجوز وإنما يقع قتل الأنبياء والأئمة على وجه الظلم، وارتفاع التمكن من الدفع مع الحرص على الدفع.غير أنه لا يمتنع ان يتعبد بالصبر على الدفاع.وتحمل المشقة في ذلك - وان قتله غيره ظلما والقتل - وإن كان قبيحا بحكم العقل -، فهو ما يجوز تغيره بان يصير حسنا، لأنه جار مجرى سائر الآلام.وليس يجري ذلك مجرى الجهل والكذب الذي ليس يصير قط حسنا ووجه الحسن في القتل انه لطف على ما قلناه، وكما يجوز من الله ان يميت الحي، كذلك يجوز ان يأمرنا بإماتته ويعوضه على ما يدخل عليه من الآلام ويكون فيه لطف على ما قدمناه.وقوله: " ذلكم " إشارة إلى التوبة مع القتل لأنفسهم على ما أمرهم الله تعالى به بدلالة قوله." فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم " فقوله: " توبوا " دال على التوبة، فكأنها مذكورة.وقوله: " خير ".

اللغة:

فالخير، والنفع، والفضل، والحظ نظائر وضد الخير: الشر.وضد النفع: الضرر.تقول: خار الله له الخير خيرة.واختار اختيارا واستخار فلان استخارة وتخير تخيرا وتخايرا وخيره تخييرا.وخايره مخايرة ورجل خير وامرأة خيرة: أي فاضلة.وقوم أخيار، وخيار.وامرأة خيرة.حقيقة في جمالها، وميسمها.ومنه قوله: " فيهن خيرات حسان " ( 5 ).وناقه خيار.ورجل خيار.وتقول: والجمع خيار.وتقول: هذه وهذا وهؤلاء خيرتي.وما تختاره.وتقول: أنت بالخيار وأنت بالخيار سواء.والرجل يستخير الضبع واليربوع: إذا جعل حبسه في موضع النافقاء، فخرج من القاصعاء ( 6 ).والخيرة مصدر خار خيرة ساكنة الياء مثل راب ريبة.واصل الباب الخير نقيض الشر.والخير: الهيأه المختارة.وحذفت الياء من قوله: " يا قوم " وأثبتت في قوله: " يا ليت قومي " لان ياء الإضافة تحذف في النداء، لأنه موضع حذف، يحذف فيه التنوين، ويحذف الأمم للترخيم، فلما كانت بالإضافة تحذف في غير النداء، لزم حذفها في النداء.

وأما قوله: " يا ليت قومي يعلمون " ( 7 )، فإنها تثبت لأنها ياء الإضافة.لا يلحقها ما يوجب حذفها، كما لحق الياء في النداء ويجوز في " يا قوم " كسر الميم وحذف الياء هو اجماع القراء ويجوز بياء ساكنة، ويجوز بفتح الياء وما قرئ بها.فاما إسكان الهمزة.فالذي رواه سيبويه عن أبي عمرو اختلاس الحركة.وهو أضبط من غيره والاسكان في مثل هذا يجوز في ضرورة الشعر كقول الشاعر: إذا اعوججن قلت صاحب قوم وكان ينبغي ان يقال صاحب لأنه منادى.

وقال امرؤ القيس:

فاليوم فاشرب غير مستحقب * اثما من الله ولا واغل

وقد روى بعضهم صاح قوم.وروي فاليوم فاشرب وروى بعضهم: فاليوم فاسقي ولا يقال في الله تعالى تائب مطلقا.وإنما يقال: تائب على العبد.قوله: " فتاب عليكم " فالفاء متعلق بمحذوف كأنه قال ففعلتم أو قتلتم أنفسكم فتاب عليكم.وكان فيما بقي دلالة عليه.

1 - سورة التوبة: آية 31 وسورة منافقون آية 4.

2 - تقتلت المرأة: تثنت في مشيتها.

3 - معلقته. والبيت: وما ذرفت عيناك الا لتضربي بسهميك في أعشار قلب مفتل والسهمان: الرقيب والمعلى من سهام الميسر ومعناه استوليت على القلب كله.

4 - سورة الرحمان: آية 70.

5 - النافقاء: حجر اليربوع. القاصعاء مثل النافقاء.

6 - سورة يس: آية 26.

7 - سورة الزمر: آية 68.