ومن المنافقين من يتأمرون على الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ويقولون عنه أشياء ، إذا استنطقهم الرسول حلفوا بالله كذبا أنه لم يصدر منهم شيء ، فقد كان جماعة منهم خرجوا مع الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى «تبوك» وكانوا كارهين لذلك ، فإذا خلا بعضهم إلى بعض سبوا الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم وانتقصوه ، فأبلغ ذلك «حذيفة» إلى الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم فطلبهم وقال : ما هذا الذي بلغني عنكم. فأخذوا يحلفون بالله ما قالوا شيئا ، فأنزل الله سبحانه هذه الآية تفضحهم (يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا) أي أقسم هؤلاء المنافقون بالله بأنهم لم يقولوا شيئا ضد الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم (وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ) فإنهم __________________ (1) التوبة : 118. (2) الفتح : 30. وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ____________________________________ بسبّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم والطعن في الإسلام صاروا كفارا (وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ) الظاهري ، فإن المنافق إذا أظهر الإسلام صار مسلما ، فإذا صدرت منه كلمة الكفر صار كافرا. لا يقال : إنهم إن كفروا وجب عليهم حدّ المرتد. لأنا نقول : إنهم كانوا مرتدين عن ملّة ، ولا يحدّ مثلهم ، وإنما يستتابوا ، وإنكارهم كان بمنزلة التوبة ، وإن كان توبة صورية لا حقيقية. (وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا) فقد أرادوا إخفاء نور الإسلام ، وذلك يتحقق بكل ما يهتم به المنافق من إرادة قتل النبي ، وإيجاد الفساد بين المسلمين ، وإخراج الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم من المدينة ، لكنهم لم ينالوا ذلك ولم يقدروا على ما هموا به ، بل انعكس الأمر فقد زاد الإسلام علوّا ، والرسول ارتفاعا ، والمسلمون سموّا. وقد ورد في بعض الأحاديث : تأويل الآية بالذين خالفوا الرسول في قصة «غدير خم» وأرادوا إخماد نور الوصي ، وقالوا في الرسول كلاما بذيئا (1). (وَما نَقَمُوا) النقمة الإنكار والغضب ، أي أن هؤلاء لم ينكروا على المسلمين (إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ) فإن الله سبحانه أغنى المسلمين وأنعم عليهم ، بفضل إرشادات الرسول ، فلم يكن __________________ (1) بحار الأنوار : ج 37 ص 115. فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (74) وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا ____________________________________ للمسلمين ذنب يستحقون به النقمة من المنافقين ، ولكن المنافقين كرهوا ذلك حسدا ، أو المراد : أن الله أغنى هؤلاء المنافقين ، فكان من اللازم أن يحبوا الله ورسوله حيث أعطاهم الغنائم لكنهم جعلوا مكان الشكر كفرانا ، كما يقال : «لم يكرهني فلان إلا لأني أحسنت إليه». (فَإِنْ يَتُوبُوا) عن نفاقهم ويرجعوا إلى الحق (يَكُ خَيْراً لَهُمْ) في دنياهم وفي آخرتهم حيث يكونون كسائر المسلمين لا يجتنب أحد منهم ولا يكرههم المسلمون ، ويقال في مثل هذه المواضع «خير» مقابل ما يظن أنه خير ، وإن لم يكن إلا شرا واقعا (وَإِنْ يَتَوَلَّوْا) أي يستمروا على إعراضهم عن الحق وسلوكهم سبيل النفاق (يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذاباً أَلِيماً) مؤلما موجعا (فِي الدُّنْيا) باجتناب المسلمين لهم ، وتضييق العيش عليهم ، كما قال سبحانه : (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً) (1) ، (وَ) في (الْآخِرَةِ) بالنكال والنار (وَما لَهُمْ) ليس لهم (فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍ) يلي أمورهم ويحبهم (وَلا نَصِيرٍ) ينصرهم ، فليس كما ظنوا أن المنافقين ينصرونهم إذا وقعوا في المشاكل ، فإن المنافق حيث اختمر على طبيعة النفاق ، لا ينصر حتى أخاه وأقرب الناس إليه.