ثم بيّن سبحانه مصرف الصدقات ، وأنها يجب أن تصرف في المصارف المذكورة لا أن تعطى للأغنياء والطامعين (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ) المراد بالصدقات الزكاة ـ كما أجمع المفسرون عليه ـ وهي تؤخذ بنسبة العشر ونصف العشر وربع العشر ، من أموال تسعة ، بعنوان الوجوب ، ومن غيرها بعنوان الاستحباب ـ كما فصّل في الفقه ـ والأموال التسعة هي : الإبل ، والبقر ، والغنم ، والذهب ، والفضة ، والحنطة ، والشعير ، والتمر ، والزبيب. بشرائط مخصوصة ، وتعطى لثمانية أصناف ، منهم : الفقراء الذين لا يجدون قوت سنة لأنفسهم ولعيالهم حسب شأنهم ، لا قوة ولا فعلا. (وَالْمَساكِينِ) وهم أسوأ حالا من الفقير ، كأن الفقر أسكنه وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ____________________________________ الأرض فلم يقدر على التحرك ، وحيث أنهم في المجتمع صنفان متمايزان ، إذ هناك صنف تعسّرت أموره وإن كان ظاهره لا بأس به ، وصنف داخل في العجزة كالعميان والزمنى ومن إليهم ، ذكرهم سبحانه صنفين ، وإن كان الميزان في الصنفين واحدا ، وهو عدم تمكنهم من مؤونة سنة فعلا وقوة. ولعل وجه تقديم الفقراء : أن إعطاءهم من الزكاة أبعد في النظر ولذا جيء بهم أولا ، تداركا لهذا البعد ، كما أنك إذا أردت أن تعدّ من أتاك تذكر الأبعد في نظر السامعين ، كما أن ذكر المساكين مع أنهم داخلون في الفقراء لعلة ، وذلك لدفع احتمال أن مثل هؤلاء لا بد وأن يعيشوا على إحسان المحسنين من الذين يتصدقون بالصدقات المستحبة لدفع البلاء ، كما جرت العادة ، لا أن يكون لهم رزق في خزينة الدولة. (وَالْعامِلِينَ عَلَيْها) أي الذين يعملون لأجل جمع الزكوات ، وجبايتها ، ولو كانوا أغنياء فإنهم يأخذون حق العمل ، ولفظة «على» لأجل أن العامل يقتطع من أموال الناس ، فهو شبيه بالضرر ، فإنه يعمل لأجل الفقير ، على الغني. (وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ) أي الكفار الذين يراد تأليف قلوبهم بالمال ليميلوا نحو الإسلام أو نحو المسلمين ، فإن الأموال تقرّب الناس إلى الناس ، وتقرّب الناس إلى الأديان والمبادئ ، وكذلك المسلمون الذين أسلموا ولكن لم يدخل الإسلام في قلوبهم فيعطوا من الزكاة لتقوى عقيدتهم ، ويستحكم إسلامهم. وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60) ____________________________________ (وَفِي الرِّقابِ) جمع «رقبة» والمراد بها : الإنسان ، فإن الرقبة تستعمل في الإنسان بعلاقة الجزء والكل ، كما أن «العين» تستعمل في الجاسوس بهذه العلاقة ، والمراد بهم : العبيد الذين هم تحت الشدة ، يشترون من الزكاة ويعتقون ، وكذلك العبيد الذين كاتبوا مواليهم ولم يقدروا على دفع تمام مال الكتابة. (وَالْغارِمِينَ) جمع غارم ، من «غرم» بمعنى استدان ، والمراد بهم : الذين اقترضوا ثم أنفقوا المال في غير معصية ، ومن غير سرف ، فإنهم يعطون من الزكاة ليؤدّوا ديونهم ، أو تدفع ديونهم منها ولو بعد موتهم. (وَفِي سَبِيلِ اللهِ) وهي جميع مصالح المسلمين التي من أظهرها : الجهاد لإعلاء كلمة الله. (وَابْنِ السَّبِيلِ) وهو المسافر المنقطع به في سفره ، يعطى من الزكاة ليرجع إلى محله ، وإن كان في بلده غنيا. (فَرِيضَةً مِنَ اللهِ) أي افترض الله سبحانه تقسيم الزكاة بهذه الصورة فريضة (وَاللهُ عَلِيمٌ) بحاجة خلقه (حَكِيمٌ) فيما فرض عليهم ، وعلى من فرض. والكلام حول الزكاة طويل ، راجع «عبادات الإسلام» (1) حتى تعرف بعض أحكامها.