كان الكلام حول المنافقين وعلامات النفاق وبعض ما صدر منهم مما __________________ (1) للمؤلف. وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ____________________________________ يدل على انحرافهم ونفاقهم ، فمنهم من يلمز النبي في الصدقات ، ومنهم من يؤذي النبي ، ومنهم من يخشى أن تنزل عليه صلىاللهعليهوآلهوسلم سورة ، تفضحه وتبين نفاقه (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَ) إيذاء بالقول ، فقد كان عبد الله بن نفيل منافقا ، وكان يقعد إلى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فيسمع كلامه ثم ينقله إلى المنافقين وينمّ عليه. فنزل جبرائيل عليهالسلام وأخبر رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بخبر المنافق ، فدعاه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فأخبره بذلك فحلف أنه لم يفعل فقبل منه الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ـ حسب الظاهر ـ ونهاه أن يقعد مع أصحابه من بعد ، فرجع إلى أصحابه وقال : إن محمدا «أذن» أخبره الله أني أنمّ عليه وأنقل أخباره ، فقبل ، وأخبرته : أني لم أفعل ، فقبل ، فأنزل الله هذه الآية : (وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ) أي يستمع إلى ما يقال له ويقبل ، ولا فطنة له بأن يميّز بين الصحيح من الكلام والسقيم. (قُلْ) يا رسول الله لهؤلاء المنافقين : إني (أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ) فإنه صلىاللهعليهوآلهوسلم أذن كما قالوا ، ولكن ليس كما قصدوا ، فإن «الأذن» قد يكون في سماع كلام الشر في أحد ثم يرتّب الأثر عليه ، وقد يكون خيرا ، يسمع الكلام ولا يكذّبه ، ولكنه لا يرتّب ما على المجرم من العقاب ، كيف يمكن أن يعاب عليه فعله هذا؟! لكن المنافق هو الذي يرى الإحسان ـ حتى بالنسبة إلى المنافق ـ إساءة. (يُؤْمِنُ بِاللهِ) إيمانا من القلب ، ويعلم أن الله سبحانه صادق (وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) أي لنفع المؤمنين ، وفرق بين «الإيمان به» إذ معناه تصديقه ، و «الإيمان له» ، أي يرتب الأثر الذي هو نافع للمؤمن ، سواء وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (61) يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ____________________________________ اعتقد بذلك أم لم يعتقد. فقد اعتقد الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم صحة كلام جبرئيل المنزل من قبله سبحانه ، كما رتّب أثر الصحة لنفع ذلك المؤمن ـ المنافق ـ حيث لم يعاقبه. ولا يخفى أن «الإيمان» له إطلاقان : إطلاق على كل مؤمن مقابل الكافر ، وهو من أظهر الإسلام ، وإن لم يدخل في قلبه ، كما قال سبحانه : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا) (1) ، وإطلاق على المعتقد في مقابل المنافق ، كما قال سبحانه : (قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا) (2) ، والمراد هنا : الإطلاق الأول. (وَ) هو صلىاللهعليهوآلهوسلم (رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ) ولو إيمانا ظاهريا ، حيث أنه هداهم للأصلح بحالهم في الدنيا ، أما المؤمن الحقيقي فإنه سعد بالرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم دنيا وآخرة (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ) بالقول أو العمل ، لا يظنون أنهم فاتوه حيث لم يعاقبهم وقبل عذرهم ، فلم يرتّب على أذيتهم شيء ، بل (لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) مؤلم موجع في الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا فلأن إيذاء الرسول له أثر وضعي يوجب الخسران والخزي ، وأما في الآخرة فله عذاب أليم في النار.