۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة الأعراف، آية ١٨٨

التفسير يعرض الآية ١٨٨

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن تفسير شبر التبيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي نَفۡعٗا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَيۡرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوٓءُۚ إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ١٨٨

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

إن الساعة غيب لا يعلمه إلا الله ، وكذلك سائر الأمور الغائبة عن الحواس ، وإن كنت أنا ـ الرسول ـ أعلم الغيب بذاتي ، لكنت أعلم ما يضرّني فاجتنبه وما ينفعني فارتكبه (قُلْ) يا رسول الله لهؤلاء السائلين : (لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا) فإنني لا أقدر على جلب نفع ولا دفع ضرر (إِلَّا ما شاءَ اللهُ) فما شاء أن يملكني إياه ؛ أتمكن منه ، وما لم يملكني إياه ؛ لا أتمكن منه ، وهذا كما ملّك سبحانه الرسول بعض المنافع ودفع عنه بعض المضارّ ، نعم الرسول أكثر ملكا حيث أنه مزوّد بقسم من الحصانة وعلم الغيب (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ) علما مطلقا كما يعلمه الله سبحانه ، فإن الرسول لم يكن يعلم الغيب بذاته ، وإنما بمقدار علم الله سبحانه ، كما قال سبحانه : (فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً* إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ) (1) ، (لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ) أي أكثر من الأشياء الخيرة كالشراء الرخيص أيام الرخص لأيام الغلاء ، وغيره مما لو عرفه الإنسان لانتفع به كثيرا (وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ) الذي يمكن دفعه ، فإن الإنسان إذا عرف أن هذا الغذاء يضره أو هذا الشخص يقتله ، أو هذا السفر يؤذيه ـ مثلا ـ لأجتنبها. ومن الغريب أن بعض الناس يتمسكون بمثل هذه الآية لعدم معرفة الرسول بالأشياء المستقبلية إطلاقا ، إنه ليس إلا كتمسك المجبرة بقوله (1) الجن : 27 و 28. سبحانه : (مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ) (1) ، والمجسمة بقوله : (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ) (2) ، والقدرية بقوله : (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ) (3) ، والقائلين بحجية التوراة والإنجيل بقوله : (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً) (4) ، (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ) (5) ، والقائلين بمعصية الأنبياء بقوله : (وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى) (6) ، والقائل بجهل الله سبحانه وتعالى بقوله : (قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ) (7) ، والقائل بتعدد الآلهة بقوله : (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا) (8) ، حيث دلل على أن الآلهة مع الله لا توجب الفساد. وهكذا من أمثال هذه الاستدلالات التي إن دلت على شيء فإنما تدل على عدم اطلاع القائل بأساليب الكلام ، وعدم جمعه بين النص والظاهر ، والعام والخاص ، والمطلق والمقيد ، والحقيقة والمجاز ، ومعارض السياق. (إِنْ أَنَا) أي ما أنا (إِلَّا نَذِيرٌ) أنذر الكافر والعاصي بالعقاب (وَبَشِيرٌ) أبشر المؤمن المطيع بالثواب (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) اللام للعاقبة ، أي أن فائدة إنذاري وبشارتي إنما هي للمؤمن ، أما غيره فالرسول بشير نذير له ، لكنه حيث لا ينتفع بقوله ، فكأنه ليس مرسلا بالنسبة إليه. وقد ورد في بعض التفاسير أن أهل مكة قالوا : يا محمد! ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فتشتريه فتربح فيه ، (1) الأعراف : 187. (2) القلم : 43. (3) القمر : 50. (4) المائدة : 45. (5) المائدة : 48. (6) طه : 122. (7) يونس : 19. (8) الأنبياء : 23. وبالأرض التي تريد أن تجدب فنرتحل منها إلى أرض قد أخصبت ، فأنزل الله هذه الآية.