إن الساعة غيب لا يعلمه إلا الله ، وكذلك سائر الأمور الغائبة عن الحواس ، وإن كنت أنا ـ الرسول ـ أعلم الغيب بذاتي ، لكنت أعلم ما يضرّني فاجتنبه وما ينفعني فارتكبه (قُلْ) يا رسول الله لهؤلاء السائلين : (لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا) فإنني لا أقدر على جلب نفع ولا دفع ضرر (إِلَّا ما شاءَ اللهُ) فما شاء أن يملكني إياه ؛ أتمكن منه ، وما لم يملكني إياه ؛ لا أتمكن منه ، وهذا كما ملّك سبحانه الرسول بعض المنافع ودفع عنه بعض المضارّ ، نعم الرسول أكثر ملكا حيث أنه مزوّد بقسم من الحصانة وعلم الغيب (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ) علما مطلقا كما يعلمه الله سبحانه ، فإن الرسول لم يكن يعلم الغيب بذاته ، وإنما بمقدار علم الله سبحانه ، كما قال سبحانه : (فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً* إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ) (1) ، (لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ) أي أكثر من الأشياء الخيرة كالشراء الرخيص أيام الرخص لأيام الغلاء ، وغيره مما لو عرفه الإنسان لانتفع به كثيرا (وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ) الذي يمكن دفعه ، فإن الإنسان إذا عرف أن هذا الغذاء يضره أو هذا الشخص يقتله ، أو هذا السفر يؤذيه ـ مثلا ـ لأجتنبها. ومن الغريب أن بعض الناس يتمسكون بمثل هذه الآية لعدم معرفة الرسول بالأشياء المستقبلية إطلاقا ، إنه ليس إلا كتمسك المجبرة بقوله __________________ (1) الجن : 27 و 28. إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188) ____________________________________ سبحانه : (مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ) (1) ، والمجسمة بقوله : (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ) (2) ، والقدرية بقوله : (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ) (3) ، والقائلين بحجية التوراة والإنجيل بقوله : (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً) (4) ، (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ) (5) ، والقائلين بمعصية الأنبياء بقوله : (وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى) (6) ، والقائل بجهل الله سبحانه وتعالى بقوله : (قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ) (7) ، والقائل بتعدد الآلهة بقوله : (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا) (8) ، حيث دلل على أن الآلهة مع الله لا توجب الفساد. وهكذا من أمثال هذه الاستدلالات التي إن دلت على شيء فإنما تدل على عدم اطلاع القائل بأساليب الكلام ، وعدم جمعه بين النص والظاهر ، والعام والخاص ، والمطلق والمقيد ، والحقيقة والمجاز ، ومعارض السياق. (إِنْ أَنَا) أي ما أنا (إِلَّا نَذِيرٌ) أنذر الكافر والعاصي بالعقاب (وَبَشِيرٌ) أبشر المؤمن المطيع بالثواب (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) اللام للعاقبة ، أي أن فائدة إنذاري وبشارتي إنما هي للمؤمن ، أما غيره فالرسول بشير نذير له ، لكنه حيث لا ينتفع بقوله ، فكأنه ليس مرسلا بالنسبة إليه. وقد ورد في بعض التفاسير أن أهل مكة قالوا : يا محمد! ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فتشتريه فتربح فيه ، __________________ (1) الأعراف : 187. (2) القلم : 43. (3) القمر : 50. (4) المائدة : 45. (5) المائدة : 48. (6) طه : 122. (7) يونس : 19. (8) الأنبياء : 23. هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُما ____________________________________ وبالأرض التي تريد أن تجدب فنرتحل منها إلى أرض قد أخصبت ، فأنزل الله هذه الآية.