ولما تقدم الوعيد بيوم القيامة ، الذي يسمى ب «الساعة» ، سأل جماعة عن وقت القيامة (يَسْئَلُونَكَ) يا رسول الله (عَنِ السَّاعَةِ) أي القيامة (أَيَّانَ مُرْساها) أي متى وقوعها ، من «رسا الشيء يرسو» إذا ثبت. و «المرسى» بمعنى المثبت ، أي متى وقت ثبوتها؟ (قُلْ) يا رسول الله في جوابهم : (إِنَّما عِلْمُها) أي علم الساعة (عِنْدَ رَبِّي) فهو وحده يعلم وقتها (لا يُجَلِّيها) أي لا يكشفها. الظاهر أن المراد : لا يأتي بها (لِوَقْتِها) أي حين يكون وقتها (إِلَّا هُوَ) تعالى ، فعلمها عنده ، ووقتها عند إرادته ، وإنما لم يكشف الله سبحانه عن وقتها لخلقه ليكون أدعى لهم إلى الطاعة واجتناب المعصية ، فإن الإنسان إذا لم يعرف وقت البلاء يكون خائفا دائما ، أما إذا عرف أخّر الطاعات وكان خوفه لقرب وقت الساعة. ولا يقال : إن القيامة ليس مما يخاف منه الإنسان في الدنيا ، إذ هي بعد القبر ، فعلمها وعدمه سواء بالنسبة إلى الإنسان الحي ، وإنما يصح هذا التعليل بالنسبة إلى الموت. لأننا نقول : قيام القيامة بالنسبة إلى العاصين ـ وهم في القبر ـ من أكثر الأشياء خوفا ، كما ورد في الأحاديث. (ثَقُلَتْ) الساعة ، أي وقوعها (فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) فإن أهل السماوات والأرض يخافونها خوفا عظيما لشدتها وما فيها من المحاسبة والمجازاة (لا تَأْتِيكُمْ) أيها البشر ، أيها الشاعرون (إِلَّا بَغْتَةً) أي فجأة (يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها) أي أن الناس يسألونك يا رسول الله عن الساعة وعن وقت قيامتها ، كأنك عالم بها ، فإن «الحفي» بمعنى المستقصي في السؤال ، ويقال للعالم النحرير : «حفي» باعتبار أنه من كثرة سؤاله استوعب الأمر تماما وعلم الواقع كما هو ، فالمعنى : «كأنك عالم بالقيامة قد أكثرت المساءلة عنها» (قُلْ) يا رسول الله في جواب السائلين : (إِنَّما عِلْمُها) أي علم الساعة (عِنْدَ اللهِ) كرّر هذا ليصل بقوله : (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) إن علمها خاص بالله لا يشترك معه في هذا العلم أحد.