إنا جعلنا هذه الفطرة في الإنسان ليكون انحراف المشرك بلا عذر ، ويكون انحراف من انحرف بلا مبرر ، وقد وقع مثل هذا الانحراف في بعض الأفراد وهو «بلعم بن باعورا» فقد أعطي «الاسم الأعظم» الذي يستجاب به الدعاء ، وكان يدعو به فيستجيب الله سبحانه له ، فمال إلى فرعون ، فلما مرّ فرعون في طلب موسى عليهالسلام وأصحابه ، قال فرعون لبلعم : ادع الله على موسى وأصحابه ليحبسه الله علينا ، فركب بلعم حمارته ليمرّ في طلب موسى ، فامتنعت عليه حمارته ، فأقبل يضربها ، فأنطقها الله عزوجل ، فقالت : ويلك على ماذا تضربني ، أتريد أن أجيء معك لتدعو على نبي الله وقوم مؤمنين ، فلم يزل يضربها حتى قتلها وانسلخ الاسم الأعظم من لسانه فنسيه. والآية وإن كانت في شأنه إلا أنها عامة لكل من انسلخ من آيات الله لترجيحه هوى نفسه ، كما هو شأن الآيات القرآنية. (وَاتْلُ) أي اقرأ يا رسول الله (عَلَيْهِمْ) أي على الناس (نَبَأَ) أي خبر (الَّذِي آتَيْناهُ) أي أعطيناه (آياتِنا) أي حججنا ودلائلنا ـ وقد تقدم أن المراد من ذلك الاسم الأعظم ـ (فَانْسَلَخَ مِنْها) أي خرج من تلك الآيات ، كالشيء الذي ينسلخ من جلده ، كأن الآيات كانت كالجلد الواقي له عن شرور الدنيا والآخرة فأخرج نفسه منها ، فتعرض فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ____________________________________ للخطر والهلاك (فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ) أي لمّا خرج عن الوقاية تبعه الشيطان ليضلّه عن طريقه (فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ) أي الهالكين.