إنّ النبي إذا جاء حكّم عقله وآمن، كان له من الله اللُطف الخفي وشرح الصدر، ومَن أعرَضَ وبقي على كفره أعرَضَ سبحانه عنه وخلّى بينه وبين ما يفعل الشيطان به من تضييق الصدر فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ إلى الإيمان يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ الشرح هو التوسعة، وهذا من باب التشبيه، فكما إنّ الشيء الوسيع له مجال أن ينفذ فيه شيء كذلك القلب المنشرح له محل أن ينفذ فيه الإسلام وَمَن يُرِدْ الله أَن يُضِلَّهُ لأنه تَرَكَ الإيمان وعانَد، فاقتضت المشيئة أن يخلّي بينه وبين الضلال حتى تكون عاقبة أمره خسراً ويذوق وَبال إعراضه يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا لا ينفذ فيه الإسلام حَرَجًا هو أضيق الضيّق -كما قالوا- كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء فإنّ الإنسان إذا جُرّ إلى السماء جراً أحسّ بضيق شديد في صدره، من جهة أنّ الهواء كلما لطف كان التنفس فيه أشكل، ومعنى (في) الولوج في طبقات السماء ليعطي معنى الشدة أكثر من (إلى) وكذلك التثقيل في (يصّعّد) كَذَلِكَ، أي كما ذُكر من تضييق الصدر يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ وهو العذاب والصعوبة، أو المراد به المعنى الظاهري له، فإنّ للكفر رجساً عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فعلى وجه العقوبة لمن لا يؤمن يُجعل صدره ضيّقاً حَرَجاً، فليس ذلك إبتداءاً منه سبحانه، كما قد يزعم الناظر في أول الآية، وهذا كقولك: أنّ من يريد خيره من أبنائي أعطيه المال، وإنّ من أريد شرّه أقطع عنه المال، وهكذا أعمل بمن لا ينصاع إلى أوامري.