هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ يارسول الله الْكِتَابَ ، أي القرآن مِنْهُ ، أي قسم من الكتاب آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ غير مشتبهات فالمفاد منها واضحة لا يخفى على أهل اللسان كقوله سبحانه (قل هو الله أحد) هُنَّ ، أي تلك الآيات المحكمات أُمُّ الْكِتَابِ ، أي أصله الذي يرجع إليه لدى الشك والخصام والجدال وَأُخَرُ ، أي آيات أُخر مُتَشَابِهَاتٌ والمتسابه هو الذي يحتمل وجهين أو وجوهاً مما يسبب عدم إدراك الناس كلهم لها من تشابه، وإنما يُؤتى به أما إمتحاناً يُعرف المؤمن من المنافق أو لتقريب المطلب إلى أذهان الناس الذين لا يدركون الحقائق ككثير من آيات الصفات ونحوها كقوله سبحانه (إلى ربها ناظرة) حيث أُريد تفهيم أن المؤمنين ينظرون إلى رحمة الله، أو كقوله (ثم استوى إلى السماء) أو لأن المطلب دقيق لا يتحمله بعض العقول كآيات الجن والشيطان مما لا يتحملها عقل من أَلِفَ المادة فيشتبه الأمر عليه أو لأنه جيءَ به لاعتبار كلامي فاشتبه الأمر نحو (نسوا الله فنسيهم) أو غير ذلك، والمتشابه مما لابد منه في الكلام الراقي كما لا يخفى بأدنى تأمّل فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ، أي ميل عن الحق وانحراف أما جهلاً أو عناداً فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ إتباعاً على خلاف المراد منه ويوجّهون المتشابه حسب أهوائهم ومشتهياتهم كما يقول القائل بالتجسّم من (إلى ربها ناظرة) وبالجبر من (ومن يُضلِل الله فما له من هاد) وبمعصية الأنبياء من (وعصى آدم ربّه فغوى) ويكون الإسلام خاصاً بالعرب من (وإنه لذِكر لك ولقومك) وهكذا ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ ، أي لأجل تفتين الناس وإضلالهم وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ ، أي لأجل أن يكون له مجال في تأويل الكلام على غير المراد منه ليطابق هواه ومشتهاه وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ التأويل هو ما يؤول وينتهي إليه الكلام فمثلاً ظاهر (إلى ربها ناظرة) أنهم ينظرون إلى الله لكن هذه الجملة تُؤوّل إلى معنى أنهم ينظرون إلى رحمة الله ولُطفه وثوابه، كما يُقال في العرف "أني أنظر إلى العقل وهو يسيّر الإنسان" أنه لا يريد النظر بالعين وإنما عرفان ذلك إِلاَّ اللّهُ فهو سبحانه يعلم المراد من كلامه وَالرَّاسِخُونَ ، أي الثابتون فِي الْعِلْمِ الذين لهم إطّلاع على المعلومات وبأساليب الكلام وبما يدلّ عليه العقل والشرع، وهذا ليس ببدع فإن القوانين المدنية لا يعرفها إلا من درس وأتقن أساليب الكالم العربي لا يعرفها إلا من أتقن الأدب والبلاغة وهكذا، إن الراسخين يعلمون تأويل المتشابه في حال كونهم يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ، أي بالمتشابه كما آمنّا بالمحكم كُلٌّ من المحكم والمتشابه مِّنْ عِندِ رَبِّنَا فإذا لم يظهر المعنى في بادئ النظر لا ينكرون ولا يقولون بالتناقض، فإنهم جمعوا بين فضيلتي العلم بالتأويل والإذعان بصحة المتشابه بخلاف الجهّال فإنهم يعترضون على المتشابه أولاً ويفسرون حسب أهوائهم ثانياً، وهكذا نجد الآن في العُرف العالم الورع يجمع بين الفضيلتين والجاهل الذي يشتمل على الرذيلتين وَمَا يَذَّكَّرُ ، أي يتذكّر ويردّ المتشابه إلى المحكم وإلى ما دلّ من العقل والنقل إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ، أي أصحاب العقول الحصيفة، ثم أنه ورد في الأحاديث أن المراد بالراسخين النبي والأئمة (عليهم السلام) ولا يخفى أنهم من أجلّ مصاديق الراسخين وذلك هو المراد لا الإنحصار.