وحيث قسم الله الناس إلى أقسام ثلاثة: مؤمن وكافر ومنافق، ومثل للمنافق، ثم أمر الناس عامة بالعبادة، ودعاهم إلى حضيرة الإيمان، وذكر فوائده، واحتج على من أنكر الرسالة، أجاب عن سؤال سأله الكافر، ومن إليهم تعنتاً، وهو أن الله لماذا يضرب المثل كما مثل المنافق هنا، ومثل في سورة أخرى بالعنكبوت ونحوها؟ فإن المثال أوقع في النفوس وموجب لتقريب المطلب إلى الأذهان. إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا فإن الحياء من الأشياء القبيحة أو نحوها، وليس في تمثيل الله الكبير بالأشياء الصغيرة الحقيرة في النظر حياء - أي مثل كان، وهذا معنى قوله: "ما" أي شيئاً من الأشياء، بَعُوضَةً وهي البقة فَمَا فَوْقَهَا ولعل ذكر البعوضة هنا لأنها أصغر حيوان متعارف يراه كل أحد فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ أي المثل الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وأتى به لغرض التوضيح والتبيين، وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ معترضين مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً، و"مثلاً" تمييز في معنى "بهذا المثل" ولماذا يأتي الله بهذا المثل غير المناسب لجلال الله فـ: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً ويوجب انقسام الناس، ومن المحتمل أن يكون "يضل" جواب عن اعتراضهم، أي أن المقصود من المثل الإضلال والهداية، لكنه ينافي السياق، فإن المقصود بالمثل ليس كذلك وإنما التوضيح والتقريب، وَمَا يُضِلُّ بِهِ أي بالمثل إِلاَّ الْفَاسِقِينَ الذين فسقوا أي خرجوا عن طاعة ربهم ومقتضى عقولهم، ثم بين الفاسقين بأبرز سماتهم بقوله: