إن هؤلاء الكفار تركوا عقولهم ، وركبوا أهواءهم ، ولذا تركهم سبحانه في ضلالهم يعمهون ، وإلا فما حجة من تمت عليهم الحجة ، ووضحت لهم المحجة؟ (وَمَنْ يَهْدِ اللهُ) بأن يلطف عليه الألطاف الخفية ، حين رأى منه الإيمان والإذعان (فَهُوَ الْمُهْتَدِ) حقيقة الذي رأى السبيل ، وآمن وأخذ الله بيده إلى النجاح والسعادة ـ والياء من المهتد محذوف تخفيفا ـ (وَمَنْ يُضْلِلْ) الله ، بأن منع منه الألطاف الخفية ، بعد أن أراه السبيل فأعرض ولم يؤمن ، كالسيد الذي يعرض عن عبده ، حيث يراه يعمل باطلا ، فيتركه حتى يضل ، فإنه يقال في العرف : إن السيد أفسد عبده ، حيث لم يضرب على يده (فَلَنْ تَجِدَ) يا رسول الله (لَهُمْ) أي للضال (أَوْلِياءَ) يتولون شؤونه وينصرونه (مِنْ دُونِهِ) أي من دون الله ، ومن يتولاه في الظاهر ، فليست ولايته كولاية الله التي تهيئ خير الدنيا والآخرة ، فالمراد بالنفي ، نفي الأنبياء حقيقة ، لا نفي الأولياء صورة ، فهو كقوله عليهالسلام : يا أشباه الرجال ولا رجال (1) إن حال الضالين في الدنيا ، أنه لن تجد لهم أولياء ، أما حالهم في الآخرة (وَنَحْشُرُهُمْ) ، أي نجمعهم للحساب ، فإن الحشر بمعنى الجمع (يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ) فإنهم يسحبون على وجوههم إلى النار ، كما يفعل في الدنيا ، بمن يراد كمال إهانته ، في حال كونهم (عُمْياً) جمع أعمى ، وهو الذي لا بصر له (وَبُكْماً) جمع أبكم ، وهو الذي لا يتمكن من الكلام ، (وَصُمًّا) جمع أصم ، وهو الذي لا يسمع ، فهم بهذه الحالة المزرية المخزية يحشرون هناك فقد عموا عن الحق في الدنيا ، ولم ينطقوا بالشهادة والخير ، ولم يعيروا أسماعهم للدعوة ، فليكونوا هناك كذلك جزاء لما اقترفوه هنا ، (مَأْواهُمْ) أي محلهم ومصيرهم ومنزلهم ، من أوى يأوى ، بمعنى (1) نهج البلاغة : خطبة 27 ص 92. اتخذ المأوى (جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ) أي سكن لهيبها ، والمراد أنه كلما أشرفت على الخمود ، وإلّا فنار جهنم لا تنقض أبدا (زِدْناهُمْ سَعِيراً) أي اشتعالا والتهابا وتوقدا.