۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة هود، آية ٤٧

التفسير يعرض الآية ٤٧

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

قَالَ رَبِّ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِكَ أَنۡ أَسۡـَٔلَكَ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞۖ وَإِلَّا تَغۡفِرۡ لِي وَتَرۡحَمۡنِيٓ أَكُن مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٤٧

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

(قالَ) الله سبحانه في جواب طلب نوح عليه‌السلام : (يا نُوحُ إِنَّهُ) أي ولدك (لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) فإن الأهل الذين وعدت بنجاتهم ليس أهل لحم ودم ، وإنما أهل عقيدة وإيمان (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ) قد يبالغ في نسبة الفعل إلى شخص حتى يجعل ذلك الشخص نفس الفعل ، كما يقال : «زيد عدل» مع العلم أن زيد ليس قطعة من العدل وإنما هو ذو عدل ، ولكن البلاغة تقتضي ذلك. وهنا كذلك ، فإن ابن نوح لما كان يعمل الأعمال الفاسدة ، صار كأنه قطعة منها ، فقيل : «إنه عمل غير صالح» ، كما يقال : «زيد قطعة من فساد» ، يراد أنه منهمك فيه ، أو بتقدير «ذو» أي أنه «ذو عمل غير صالح» كما قال الشاعر : «فإنما هي إقبال وإدبار» أي : «ذات إقبال وإدبار». وقال بعض أن الضمير في «إنه» يعود إلى سؤال نوح ، أي : إن طلبك بنجاة ابنك عمل غير صالح ، لكن هذا الاحتمال بعيد عن الظاهر. (فَلا تَسْئَلْنِ) يا نوح (ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) السؤال إنشاء ، والإنشاء لا يتصف بالصدق والكذب ، ومطابقة الواقع وعدم مطابقته ، إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (46) قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ ____________________________________ وكونه متعلق العلم وعدم كونه متعلقه. إلّا أن الإنشاء حيث يحمل دائما ـ في طيه ـ إخبار عن شيء صح الاتصاف بهذه الأمور ، فمثلا يسألك أحدهم مالا ، فتقول : إنه يكذب ، ولست تريد أنه يكذب في السؤال ، بل تريد أن الخبر الذي يدل عليه هذا الإنشاء ـ وهو أنه فقير معدم ـ غير صحيح ، إذ ظاهر السائل أنه لفقره يسأل ، فأنت تريد تكذيب ذلك الخبر المنطوي في هذا الإنشاء .. وهنا كذلك ، فإن سؤال نوح لم يكن بما ليس له به علم ، بل الخبر الضمني كان بدون علم فإنه عليه‌السلام أخبر بأن الله وعده نجاة ابنه ـ بتشكيل القياس ـ «ابنه من أهله» ، و «أهله موعود نجاتهم» ، ف «ابنه موعود نجاته». وقد كان نوح عليه‌السلام يرى أن الوعد بنجاة الأهل شامل للولد أيضا ، وعلى هذا طلب الوفاء بالوعد ، لكنه سبحانه بيّن أنه لم يكن داخلا في الوعد ، ولم يدل دليل على لزوم علم الأنبياء بجميع الأمور ، حتى يقال أن نوحا عليه‌السلام كيف لم يعلم ذلك ، وهذا لا ينافي مقام العصمة ، فإن معنى العصمة أن لا يذنب ، لا أن يعلم كل شيء. (إِنِّي أَعِظُكَ) يا نوح (أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ) أي لئلّا تكون جاهلا ، ولا شك أن وعظه سبحانه يبدّد الجهل. وقد يظن بعض الناس أن هذه عبارة خشنة ، لكن الظاهر أنه جار مجرى التكلم المعتاد ، في مقابل التكلم بلين ، ومقامه سبحانه لا يقتضي اللين في الكلام ، ويحتمل أن يكون إفراغ الغالب في هذا القالب لإفادة مبغوضية الكفار لدى الله سبحانه ـ وقد سبق ما يشبهه في قصة أخذ موسى عليه‌السلام برأس أخيه ـ.