(فَقالَ الْمَلَأُ) أي جماعة الأشراف ـ لأنهم يملئون العيون جلالا والقلوب هيبة ـ وحيث أن المعارضين للأنبياء والمصلحين دائما هم الطبقة المستعلية ، يأتي بيان حوارهم ، وإلّا فغيرهم أيضا كان يجادل ويحاور (الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ) صفة «الملأ» ، وليس المراد ب «كفروا» تجدّد الكفر منهم ، بل كونهم كفارا ، فإن فعل الماضي ينسلخ عن الزمان غالبا ـ في مثل هذه الموارد ـ ولا مفهوم للوصف ، بأنه كان هناك عدّة لم يكفروا ، لأنه وصف توضيحي لا احترازي : (ما نَراكَ) يا نوح (إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا) فكيف تدّعي النبوة والرسالة من الله سبحانه. فقد كانت كل أمة تظن أن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم يلزم أن يكون من الملائكة ، لا لبرهان عندهم ، بل لرفعة مقام الرسالة في نفوسهم ، لأنه لا يمكن أن يكون بشرا مثلهم في حين يدعي أنه متصل بالسماء وواسطة بينهم وبين الله العظيم (وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا) لم يتبعك الأشراف والرؤساء والمثرون ، وإنما اتبعك وآمن بك الأراذل ، وهو جمع «رذل» وهو الخسيس الحقير في كل شيء ، فكيف يؤمن الأشراف في صف الأراذل. وقد كان الغالب أن الفقراء الذين ليس لهم ثروة ومنصب هم أسرع الناس قبولا إلى اتباع كل حق وباطل ، لأن المال والمنصب والكبرياء تمنع عن الاستجابة ، وتسبب القسوة والغلظة ، بخلاف الجماهير والفقراء من مختلف الطبقات والأعمال وما أشبه ، فإنهم أقرب إلى البساطة ، والفطرة السليمة. في حال كونهم (بادِيَ الرَّأْيِ) أي ظاهر الرأي لا عمق لرأيهم ، حتى يتدبروا ويتفكروا في الصدق والكذب ، والعواقب والمصير ، مشتق من «بدا» بمعنى ظهر (وَما نَرى لَكُمْ) يا نوح وللمؤمنين بك (عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ) في ثروة أو مكانة اجتماعية ، فكيف نتبعك؟ وقد ظنوا أن الرسالة من جنس هذه الأعراض الدنيوية ، فاللازم أن تكون الفئة المؤمنة من أصحاب الأموال والمناصب ، وقد غفلوا عن أن الرسالة من المناصب الروحية لا يتحملها إلا من اختاره الله وجعل نفسه أكمل الأنفس ، وليست من المناصب الدنيوية التي تحتاج إلى ثروة وكبرياء. وهكذا هم أهل الدنيا يستصغرون دائما أهل الدين ، إذا خلت أيديهم من المال والجاه. (بَلْ نَظُنُّكُمْ) يا نوح أنت والمؤمنين بك (كاذِبِينَ) في دعوى النبوة وما أتيت به ، وتبعك هؤلاء عليه من الدين.