ثم بيّن سبحانه أن الطبيعة البشرية إنما تطغى إذا رأت نفسها غنية غير محتاجة ، أما إذا وقع الإنسان في أزمة وشدة ، فهو يلوذ بالله ويتوسل إليه ، وهذا دليل على ما كمن في فطرته من التوحيد والاعتراف بالألوهية (وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً) «الإذاقة» تستعمل بمعنى الذوق باللسان ، كما تستعمل بمعنى الإدراك مطلقا ، وهذا هو المراد هنا ، فإن الرحمة ليست خاصة باللسان (مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ) من شدة أو فاقة أو اضطراب أو غيرها (إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا) فإنهم حيث رأوا الشدة __________________ (1) الأنعام : 110. قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ (21) هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ____________________________________ كانوا جديرين بقبول الحق ، واتباع الرسل ، والأخذ بالأحكام ، لكن طبيعتهم العاتية حيث ترى غناها بسبب الرحمة التي ذاقتها ، ترجع إلى إنكار الآيات ، والاحتيال والمكر لإخمادها وإنكارها ، وقد كانت عادة البشر هكذا مع الأنبياء ، فقوم فرعون كلما أصيبوا بمكروه جاءوا إلى موسى عليهالسلام يسألونه الكشف عنهم حتى يؤمنوا ، فإذا أذاقهم الله الرحمة ، وكشف عنهم العذاب رجعوا إلى ما كانوا عليه ، وأخذوا يمكرون بموسى ، ويحتالون لإخماد آيات الله سبحانه ، وهكذا سائر الأنبياء والمصلحين مع أممهم ، إلى هذا اليوم. (قُلِ) يا رسول الله ، لمثل هؤلاء : لا تفعلوا ولا تمكروا ف (اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً) فإن مكر هؤلاء لا يصل إلى أعماق الحياة ، بخلاف مكره سبحانه وعلاجه للأمر ـ لأن المكر هو : التدبير الخفي ـ فإنه يصل إلى أعماق الحياة ، ولذا تكون جذور دعوات الأنبياء أعمق وأسرع في نفوس الناس من مكر الماكرين وإنكار الملحدين وتشكيك المشككين (إِنَّ رُسُلَنا) أي الملائكة (يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ) أي ما تدبرون خفية ضد الدين وأهله ، ثم تجزون على ذلك.