ثم ضرب سبحانه مثلا لطبيعة الإنسان العاتية التي تتضرع عند الشدة ، وتنسى عند الرخاء (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ) فإن مشي الحيوان ، والمركبة ، وغيرها ، إنما هو حسب تكوين الله سبحانه ونظامه الذي جعله للحياة وإلا لم يتمكن الإنسان من السير ولو خطوة واحدة (وَالْبَحْرِ) بسبب الفلك ونظام عدم غرق ما وزن الماء أثقل منه ـ كما بيّن في قانون أرخميدس ـ (حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ) فكأن الإنسان سار من بلده في طريق البحر حتى ركب في السفينة لإرادة الذهاب إلى مقصد من مقاصده البعيدة (وَجَرَيْنَ) أي جرت السفن ، فإن «الفلك» يأتي مفردا وجمعا بلفظ واحد (بِهِمْ) أي بالناس (بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ) لينة يستطيبونها ، لأنها تجري نحو المقصد في رخاء وهدوء (وَفَرِحُوا) الراكبون (بِها) أي بهذه الريح. فهم في أمن وفرح وسير نحو المقصد بارتياح ، وإذا بهم (جاءَتْها) السفينة (رِيحٌ عاصِفٌ) شديدة الهبوب ، هائلة هائجة ، فأخذت السفينة في الاضطراب والإشراف على الغرق من الترنّح الشديد الذي يصيبها بسبب تلاطم الأمواج (وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ) من الأطراف الأربعة ، فإن الرياح إذا توجهت نحو الماء رفعت منه أجزاء كثيرة ربما صارت كالجبل العظيم ، وهذا هو الموج ، والأمواج تسير بسير الهواء ما دامت تنفخ فيها وتسيّرها ، فإذا اضطربت الرياح وهبت من الجهات المختلفة جاءت الموج من كل مكان ، وإذا بالسفينة في وسط الأمواج ترتفع مرة وتنحدر أخرى ، وتميل ثالثة ، وتقع من علو دفعة ـ إذا تلاشت الأمواج تحتها ـ رابعة ، وهكذا .. فتصبح : |كريشة في مهب الريح طائفة | |لا تستقر على حال من القلق | | | | |
(وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ) أي أحاطت بهم الأمواج بحيث تغرقهم فلا نجاة من الهلكة ، وحينئذ حيث رأوا الهلاك (دَعَوُا اللهَ) وتضرعوا إليه ، وانقشعت عن عيونهم غواشي الشهوات والأنانيات ، وظهرت فطرتهم صافية (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أي على وجه الإخلاص في الاعتقاد ، بحيث يجعلون الدين له ، وينقطعون عما سواه ، قائلين : (لَئِنْ أَنْجَيْتَنا) يا رب (مِنْ هذِهِ) الشدة والورطة (لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) المعترفين بك وبفضلك وإحسانك فإن الشكر يستلزم الإذعان والتوحيد.