إن حكمة الله سبحانه اقتضت بقاء الإنسان في الدنيا حتى يبلغ الأجل المضروب له سواء كان صالحا أو طالحا ، فالخيّر والشرير اللذين سبق الكلام حولهما لا بد وأن يتمّا مدتهما المقرّرة لهما ، وإن كان بعض الناس يستعجلون الشرّ بدعائهم ، أو بأعمالهم (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ) من الموت والمرض والفقر مما يستحقّون بأعمالهم أو بدعائهم ، فإن بعض الناس إذا غضب دعا على نفسه وعلى بعض ذويه بالهلاك والأمراض ونحوهما (اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ) أي كما يعجّل سبحانه لهم إعطاء الخير الذي يستحقونه بأعمالهم ، أو بدعائهم (لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ) أي لفرغ من إهلاكهم ، ولم يكن على وجه الأرض إنسان ، والمعنى : لفرغ من أجلهم ومدّتهم المضروبة للحياة ، وإذا انتهت مدّتهم هلكوا ، كما قال سبحانه : (وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11) وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً ____________________________________ عَجُولاً) (1) ، فحيث اقتضت المشيئة الإلهية بقاء الإنسان مدة في الدنيا (فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا) من الكافرين الذين لا يعتقدون بالمعاد (فِي طُغْيانِهِمْ) عن الحق وترفّعهم عن الإيمان (يَعْمَهُونَ) «العمه» هو العمى ، وشدة الحيرة ، فلا نقضي أجلهم بل نمهلهم إمهالا. وهذا الإبقاء إنما هو ليزيد عذابهم حيث طغوا وأعرضوا عن الإيمان بعد ما رأوا الآيات الدالّة عليه.