۞ الآية
فتح في المصحففَلَوۡلَا كَانَتۡ قَرۡيَةٌ ءَامَنَتۡ فَنَفَعَهَآ إِيمَٰنُهَآ إِلَّا قَوۡمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفۡنَا عَنۡهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَتَّعۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ حِينٖ ٩٨
۞ نور الثقلين
التفسير يعرض الآية ٩٨
۞ الآية
فتح في المصحففَلَوۡلَا كَانَتۡ قَرۡيَةٌ ءَامَنَتۡ فَنَفَعَهَآ إِيمَٰنُهَآ إِلَّا قَوۡمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفۡنَا عَنۡهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَتَّعۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ حِينٖ ٩٨
۞ التفسير
في تفسير العياشي عن أبي عبيدة الحذاء عن أبي جعفر عليه السلام كتب أمير المؤمنين عليه السلام قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وآله ان جبرئيل عليه السلام حدثه ان يونس ابن متى بعثه الله إلى قومه وهو ابن ثلثين سنة وكان رجلا تعتريه الحدة ( 33 ) وكان قليل الصبر على قومه والمداراة لهم عاجزا عما حمل من ثقل حمل أوقار النبوة واعلامها وانه تفسخ تحتها كما يتفسخ الجذع تحت حمله ( 34 ) وانه أقام فيهم يدعوهم إلى الايمان بالله والتصديق به واتباعه ثلثا وثلثين سنة، فلم يؤمن به ولم يتبعه من قومه الا رجلان اسم أحدهما روبيل والآخر تنوخا، وكان روبيل من أهل بيت العلم والنبوة والحكمة و كان قديم الصحبة ليونس بن متي من قبل ان يبعثه الله بالنبوة، وكان تنوخا رجلا مستضعفا عابدا زاهدا منهمكا في العبادة ( 35 ) وليس له علم ولا حكم. وكان روبيل صاحب غنم يرعاها ويتقوت منها، وكان تنوخا رجلا حطابا يحتطب على رأسه و يأكل من كسبه، وكان لروبيل منزلة من يونس غير منزلة تنوخا لعلم روبيل و حكمته وقديم صحبته، فلما رأى يونس ان قومه لا يجيبونه ولا يؤمنون ضجر وعرف من نفسه قلة الصبر فشكى ذلك إلى ربه، وكان فيما شكى ان قال: يا رب انك بعثتني إلى قومي ولي ثلثون سنة، فلبثت فيهم ادعوهم إلى الايمان بك والتصديق برسالتي وأخوفهم عذابك ونقمتك ثلثا وثلثين سنة فكذبوني ولم يؤمنوا بي وجحدوا نبوتي واستخفوا برسالتي وقد تواعدوني وخفت ان يقتلوني فأنزل عليهم عذابك فإنهم قوم لا يؤمنون. قال: فأوحى الله إلى يونس ان فيهم الحمل والجنين والطفل والشيخ الكبير والمرأة الضعيفة والمستضعف المهين، وانا الحكم العدل، سبقت رحمتي غضبي لا أعذب الصغار بذنوب الكبار من قومك، وهم يا يونس عبادي وخلقي وبريتي في بلادي وفي عيلتي أحب ان اتأناهم ( 36 ) وارفق بهم وانتظر توبتهم، وانما بعثتك إلى قومك لتكون حيطا عليهم تعطف عليهم سخاء الرحمة الماسة منهم وتأناهم برأفة النبوة فاصبر معهم بأحلام الرسالة وتكون لهم كهيئة الطبيب المداوي العالم بمداواة الدواء فخرجت بهم ولم تستعمل قلوبهم بالرفق ولم تسهم بسياسه المرسلين، ثم سألتني مع سوء نظرك العذاب لهم عند قلة الصبر منك، وعبدي نوح كان أصبر منك على قومه، وأحسن صحبة وأشد تأنيا في الصبر عندي وأبلغ في العذر، فغضبت له حين غضب لي وأجبته حين دعاني. فقال يونس: يا رب انما غضبت عليهم فيك، وانما دعوت عليهم حين غضبوك، فوعزتك لا انعطف عليهم برأفة ابدا ولا انظر إليهم بنصيحة شفيق بعد كفرهم وتكذيبهم إياي وجحد نبوتي، فأنزل عليهم عذابك فإنهم لا يؤمنون ابدا، فقال الله: يا يونس انهم مأة الف أو يزيدون من خلقي يعمرون بلادي ويلدون عبادي، ومحبتي ان أتاناهم للذي سبق من علمي فيهم وفيك، وتقديري وتدبيري غير علمك وتقديرك، وأنت المرسل وانا الرب الحكيم، وعلمي فيهم يا يونس باطن في الغيب عندي لا يعلم ما منتهاه، وعلمك فيهم ظاهر لا باطن له يا يونس قد أجبتك إلى ما سألت من انزال العذاب عليهم، وما ذلك يا يونس بأوفر لحظك عندي ولا أحمد لشأنك وسيأتيهم العذاب في شوال يوم الأربعاء وسط الشهر بعد طلوع الشمس فأعلمهم ذلك. قال: فمر يونس ولم يسؤه ولم يدر ما عاقبته فانطلق يونس إلى تنوخا العابد فأخبره بما أوحى الله إليه من نزول العذاب على قومه في ذلك اليوم وقال له: انطلق حتى اعلمهم بما أوحى الله إلي من نزول العذاب، فقال تنوخا: فدعهم في غمرتهم ومعصيتهم حتى يعذبهم الله فقال له يونس: بل نلقى روبيل فنشاوره فإنه رجل عالم حكيم من أهل بيت النبوة فانطلقا إلى روبيل فأخبره يونس بما أوحى الله إليه من نزول العذاب على قومه في شوال يوم الأربعاء في وسط الشهر بعد طلوع الشمس، فقال له: ما ترى انطلق بنا حتى اعلمهم ذلك؟فقال له روبيل: ارجع إلى ربك رجعة نبي حكيم ورسول كريم و أسأله ان يصرف عنهم العذاب فإنه غنى عن عذابهم وهو يحب الرفق بعباده، وما ذلك، بأضر لك عنده ولا أسوء لمنزلتك لديه ولعل قومك بعد ما سمعت ورأيت من كفرهم و جحودهم يؤمنون يوما فصابرهم وتأناهم، فقال له تنوخا: ويحك ياروبيل ما أشرت على يونس وأمرته به بعد كفرهم بالله وجحدهم لنبيه وتكذيبهم إياه، واخراجهم إياه من مساكنه وما هموا به من رجمه فقال روبيل لتنوخا: اسكت فإنك رجل عابد لا علم لك ثم اقبل على يونس فقال: أرأيت يا يونس إذا انزل الله العذاب على قومك أنزله فيهلكهم جميعا أو يهلك بعضا ويبقى بعض؟فقال له يونس: بل يهلكهم جميعا وكذلك سألته، ما دخلتني لهم رحمة تعطف فأراجع الله فيهم واسأله ان يصرف عنهم، فقال له روبيل: أتدري يا يونس لعل الله إذا انزل عليهم العذاب فأحسوا به ان يتوبوا إليه ويستغفروه فيرحمهم، فإنه ارحم الراحمين ويكشف عنهم العذاب من بعد ما أخبرتهم عن الله انه ينزل عليهم العذاب يوم الأربعاء فتكون بذلك عندهم كذابا؟فقال له تنوخا: ويحك ياروبيل لقد قلت عظيما يخبرك النبي المرسل ان الله أوحى إليه ان العذاب ينزل عليهم فترد قول الله وتشك فيه وفي قول رسوله، اذهب فقد حبط عملك، فقال روبيل لتنوخا: لقد فسد رأيك ثم اقبل على يونس فقال: أنزل الوحي والامر من الله فيهم على ما أنزل عليك فيهم من انزال العذاب عليهم وقوله الحق، أرأيت إذا كان ذلك فهلك قومك كلهم وخربت قريتهم أليس يمحو الله اسمك من النبوة وتبطل رسالتك وتكون كبعض ضعفاء الناس ويهلك على يدك مأة ألف من الناس. فأبى يونس أن يقبل وصيته فانطلق ومعه تنوخا إلى قومه فأخبرهم ان الله أوحى إليه انه منزل العذاب عليهم يوم الأربعاء في شوال في وسط الشهر بعد طلوع الشمس، فردوا عليه قوله وكذبوه وأخرجوه من قريتهم اخراجا عنيفا ( 37 ) فخرج يونس و معه تنوخا من القرية وتنحيا عنهم غير بعيد وأقاما ينتظران العذاب. وأقام روبيل مع قومه في قريتهم حتى إذا دخل عليهم شوال صرخ روبيل ( 38 ) بأعلى صوته في رأس الجبل إلى القوم: انا روبيل الشفيق عليكم الرحيم بكم إلى ربه، قد أنكرتم عذاب الله هذا شوال قد دخل عليكم وقد أخبركم يونس نبيكم ورسول ربكم ان الله أوحى إليه: ان العذاب ينزل عليكم في شوال في وسط الشهر يوم الأربعاء بعد طلوع الشمس ولن يخلف الله وعده رسله فانظروا ماذا أنتم صانعون؟فأفزعهم كلامه فوقع في قلوبهم تحقيق نزول العذاب فأجفلوا ( 39 ) نحو روبيل وقالوا له: ماذا أنت مشير به علينا يا روبيل؟فإنك رجل عالم حكيم لم نزل نعرفك بالرقة علينا والرحمة لنا وقد بلغنا ما أشرت به على يونس فمرنا بأمرك وأشر علينا برأيك؟فقال لهم روبيل: فاني أرى لكم وأشير عليكم ان تنظروا وتعمدوا إذا طلع الفجر يوم الأربعاء في وسط الشهر أن تعزلوا الأطفال عن الأمهات في أسفل الجبل في طريق الأودية، وتقفوا النساء في سفح الجبل ( 40 ) ويكون هذا كله قبل طلوع الشمس، فعجوا عجيج الكبير منكم والصغير بالصراخ والبكاء والتضرع إلى الله والتوبة إليه والاستغفار له، وارفعوا رؤسكم إلى السماء وقولوا: ربنا ظلمنا وكذبنا نبيك وتبنا إليك من ذنوبنا وان لا تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين المعذبين فاقبل توبتنا وارحمنا يا أرحم الراحمين، ثم لا تملوا من البكاء والصراخ والتضرع إلى الله والتوبة إليه حتى توارى الشمس بالحجاب أو يكشف الله عنكم العذاب قبل ذلك. فاجمع رأي القوم جميعا على أن يفعلوا ما أشار به عليهم روبيل، فلما كان يوم الأربعاء الذي توقعوا العذاب تنحى روبيل عن القرية حيث يسمع صراخهم ويرى العذاب إذا نزل، فلما طلع الفجر يوم الأربعاء فعل قوم يونس ما أمرهم روبيل به فلما بزغت الشمس ( 41 ) أقبلت ريح صفراء مظلمة مسرعة لها صرير وحفيف ( 42 ) فلما رأوها عجوا جميعا بالصراخ والبكاء والتضرع إلى الله وتابوا إليه واستغفروه وصرخت الأطفال بأصواتها تطلب أمهاتهم، وعجت سخال البهائم ( 43 ) تطلب الثدي وعجت الانعام تطلب الرعا، فلم يزالوا بذلك ويونس وتنوخا يسمعان صيحتهم و صراخهم ويدعوان الله عليهم بتغليظ العذاب عليهم وروبيل في موضعه يسمع صراخهم وعجيجهم ويرى ما نزل وهو يدعو الله بكشف العذاب عنهم. فلما أن زالت الشمس وفتحت أبواب السماء وسكن غضب الرب تعالى رحمهم الرحمن فاستجاب دعاؤهم وقبل توبتهم وأقالهم عثرتهم، وأوحى إلى إسرافيل عليه السلام ان اهبط إلى قوم يونس فإنهم قد عجوا إلي بالبكاء والتضرع وتابوا إلي و استغفروني فرحمتهم وتبت عليهم، وانا الله التواب الرحيم أسرع إلى قبول توبة عبدي التائب من الذنوب، وقد كان عبدي يونس ورسولي سألني نزول العذاب على قومه وقد أنزلته عليهم وأنا الله أحق من وفى بعهده وقد أنزلته عليهم ولم يكن اشترط يونس حين سألني أن أنزل عليهم العذاب ان أهلكهم فاهبط إليهم فاصرف عنهم ما قد نزل بهم من عذابي، فقال إسرافيل: يا رب ان عذابك قد بلغ أكتافهم وكاد ان يهلكهم وما أراه الا وقد نزل بساحتهم فإلى أين اصرفه؟فقال الله: كلا اني قد أمرت ملائكتي ان يصرفوه ولا ينزلوه عليهم حتى يأتيهم أمري فيهم وعزيمتي، فأهبط يا إسرافيل عليهم واصرفه عنهم، واصرف به إلى الجبال بناحية مفاوض العيون ومجاري السيول في الجبال العاتية ( 44 ) العادية المستطيلة على الجبال، فأذلها به ولينها حتى تصير ملتئمة حديدا جامدا، فهبط إسرافيل فنشر أجنحته فاستاق بها ( 45 ) ذلك العذاب حتى ضرب بها تلك الجبال التي أوحى الله إليه ان يصرفه إليها، قال أبو جعفر عليه السلام: وهي الجبال التي بناحية الموصل اليوم فصارت حديدا إلى يوم القيمة. فلما رأى قوم يونس ان العذاب قد صرف عنهم هبطوا إلى منازلهم من رؤس الجبال وضموا إليهم نساءهم وأولادهم وأموالهم وحمدوا الله على ما صرف عنهم، و أصبح يونس وتنوخا يوم الخميس في موضعهما الذي كانا فيه لا يشكان ان العذاب قد نزل بهم وأهلكهم جميعا لما خفيت أصواتهم عنهما، فاقبلا ناحية القرية يوم الخميس مع طلوع الشمس ينظران إلى ما صار إليه القوم فلما دنوا من القوم و استقبلتهم الحطابون والحماة والرعاة بأعناقهم ونظروا إلى أهل القرية مطمئنين قال يونس لتنوخا: يا تنوخا كذبني الوحي ( 46 ) وكذبت وعدي لقومي لا وعزة ربي لا يرون لي وجها ابدا بعد ما كذبني الوحي، فانطلق يونس هاربا على وجهه مغاضبا لربه ناحية بحر أيلة ( 47 ) مستنكرا فرارا من أن يراه أحد من قومه فيقول له: يا كذاب، فلذلك قال الله: " وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه " الآية و رجع تنوخا إلى القرية، فلقى روبيل فقال له يا تنوخا: اي الرأيين كان أصوب وأحق؟أرأيي أو رأيك؟فقال له تنوخا: بل رأيك كان أصوب ولقد كنت أشرت برأي العلماء والحكماء، وقال له تنوخا: اما اني لم أزل أرى اني أفضل منك لزهدي وفضل عبادتي حتى استبان فضلك لفضل علمك، وما أعطاك الله ربك من الحكمة مع التقوى أفضل من الزهد والعبادة بلا علم، فاصطحبا فلم يزالا مقيمين مع قومهما ومضى يونس على وجهه مغاضبا لربه، فكان من قصته ما أخبر الله في كتابه إلى قوله: " فآمنوا فمتعناهم إلى حين ". قال أبو عبيدة: قلت لأبي جعفر عليه السلام كم كان غاب يونس عن قومه حتى رجع إليهم بالنبوة والرسالة فآمنوا به وصدقوه؟قال: أربعة أسابيع سبعا منها في ذهابه إلى البحر، وسبعا في بطن الحوت، وسبعا تحت الشجرة بالعراء وسبعا منها في رجوعه إلى قومه فقلت له: وما هذه الأسابيع شهورا وأيام أو ساعات فقال: يا أبا عبيدة ان العذاب اتاهم يوم الأربعاء في النصف من شوال، وصرف عنهم من يومهم ذلك، فانطلق يونس مغاضبا فمضى يوم الخميس سبعة أيام في مسيره إلى البحر، وسبعة أيام في بطن الحوت، وسبعة أيام تحت الشجرة بالعراء وسبعة أيام في رجوعه إلى قومه، فكان ذهابه ورجوعه ثمانية وعشرين يوما، ثم أتاهم فآمنوا به وصدقوه واتبعوه فلذلك قال: فلولا كانت قرية آمنت فنفعها ايمانها الا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم.
عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما أظل قوم يونس العذاب دعوا الله فصرفه عنهم، قلت: كيف ذلك؟قال: كان في العلم انه يصرف عنهم.
عن الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن يونس لما آذاه قومه دعى الله عليهم فأصبحوا أول يوم صفر، وأصبحوا اليوم الثاني ووجوههم سود، قال: وكان الله أوعدهم أن يأتيهم العذاب حتى نالوه برماحهم، ففرقوا بين النساء وأولادهن، والبقر وأولادها ولبسوا المسوح ( 48 ) والصوف ووضعوا الحبال في أعناقهم، والرماد على رؤسهم، وضجوا ضجة واحدة إلى ربهم، وقالوا: آمنا باله يونس، قال: فصرف الله عنهم العذاب إلى جبال آمد ( 49 ) قال: وأصبح يونس وهو يظن أنهم هلكوا، فوجدهم في عافية.
عن معمر قال: قال أبو الحسن الرضا عليه السلام: ان يونس لما أمره الله بما أمره فأعلم قومه فأظلهم العذاب فرقوا بينهم وبين أولادهم وبين البهايم وأولادها، ثم عجوا إلى الله وضجوا فكشف الله العذاب عنهم. وهذان الحديثان طويلان أخذنا منهما موضع الحاجة.
في تهذيب الأحكام علي بن الحسن عن محمد بن عبد الله بن زرارة عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبان بن عثمان الأحمر عن كثير النوا عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال وقد ذكر يوم عاشورا: وهذا اليوم الذي تاب الله فيه على قوم يونس.
في كتاب علل الشرايع باسناده إلى علي بن سالم عن أبيه عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: لأي علة صرف الله عز وجل العذاب عن قوم يونس وقد أظلهم ولم يفعل ذلك بغيرهم من الأمم؟فقال: لأنه كان في علم الله عز وجل انه سيصرفه عنهم لتوبتهم وانما ترك اخبار يونس بذلك لأنه عز وجل أراد ان يفرغه لعبادته في بطن الحوت فيستوجب بذلك ثوابه وكرامته.
وباسناده إلى سماعة انه سمعه عليه السلام وهو يقول: ما رد الله العذاب عن قوم قد أظلهم الا قوم يونس، فقلت: أكان قد أظلهم؟فقال: نعم حتى نالوه بأكفهم، قلت: فكيف كان ذلك؟قال: كان في العلم المثبت عند الله عز وجل الذي لم يطلع عليه أحد انه سيصرفه عنهم.
في تفسير علي بن إبراهيم حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن جميل قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: ما رد الله عز وجل العذاب الا عن قوم يونس وكان يونس عليه السلام يدعوهم إلى الاسلام فيأبوا ذلك، فهم ان يدعوا عليهم وكان فيهم رجلان: عابد وعالم. وكان اسم أحدهما مليخا والآخر اسمه روبيل، وكان العابد يشير على يونس بالدعاء عليهم وكان العالم ينهاه، ويقول: لا تدعو عليهم فان الله يستجيب لك ولا يحب هلاك عباده، فقبل قول العابد ولم يقبل قول العالم، فدعى عليهم فأوحى الله إليه: يأتيهم العذاب في سنة كذا وكذا في شهر كذا وكذا في يوم كذا وكذا، فلما قرب الوقت خرج يونس من بينهم مع العابد وبقى العالم فيهم، فلما كان ذلك اليوم نزل العذاب فقال العالم لهم: يا قوم افزعوا إلى الله عز وجل فلعله يرحمكم فيرد العذاب عنكم، فقالوا: كيف نصنع؟قال اجتمعوا وأخرجوا إلى المفازة وفرقوا بين النساء والأولاد وبين الإبل وأولادها، وبين البقر وأولادها وبين الغنم وأولادها ثم ابكوا وادعوا، فذهبوا وفعلوا ذلك وضجوا وبكوا، فرحمهم الله وصرف عنهم العذاب وفرق العذاب على الجبال وقد كان نزل وقرب منهم، فاقبل يونس لينظر كيف أهلكهم الله فرأى الزارعون يزرعون في أرضهم، قال لهم ما فعل قوم يونس؟فقالوا له ولم يعرفوه: ان يونس دعا عليهم فاستجاب الله عز وجل له ونزل العذاب عليهم فاجتمعوا وبكوا ودعوا فرحمهم الله وصرف ذلك عنهم وفرق العذاب على الجبال، فهم اذن يطلبون يونس ليؤمنوا به فغضب يونس ومر على وجهه مغاضبا لله كما حكى الله تعالى والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة.
وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام قال: لبث يونس في بطن حوت ثلاثة أيام ونادى في الظلمات ظلمة بطن الحوت وظلمة الليل وظلمة البحر: " لا إله إلا أنت سبحانك اني كنت من الظالمين " فاستجاب الله له فأخرجه الحوت إلى الساحل ثم قذفه فألقاه إلى الساحل وأنبت الله عليه شجرة من يقطين وهو القرع، فكان يمصه ويستظل به و بورقه، وكان تساقط شعره ورق جلده، وكان يونس يسبح ويذكر الله بالليل والنهار فلما ان قوى واشتد بعث الله دودة فأكلت أسفل القرع فذبلت القرعة ثم يبست، فشق ذلك على يونس فظل حزينا، فأوحى الله إليه: مالك حزينا يا يونس؟قال: يا رب هذه الشجرة التي كانت تنفعني سلطت عليها دودة فيبست؟قال: يا يونس أحزنت بشجرة لم تزرعها ولم تسقها ولم تعن بها أن يبست حين استغنيت عنها، ولم تحزن لأهل نينوى أكثر من مأة ألف أردت ان ينزل عليهم العذاب، ان أهل نينوى آمنوا واتقوا فارجع إليهم، فانطلق يونس إلى قومه فلما دنى من نينوى استحيى أن يدخل، فقال لراع لقيه: إئت أهل نينوى فقل لهم: ان يونس قد جاء، قال الراعي: أتكذب أما تستحيي ويونس قد غرق في البحر وذهب؟قال له يونس: اللهم ان هذه الشاة تشهد لك أني يونس، فأنطقت الشاة له بأنه يونس، فلما أتى الراعي قومه وأخبرهم أخذوه وهموا بضربه، فقال: لي بينة بما أقول، قالوا: من يشهد؟قال: هذه الشاة تشهد، فشهدت انه صادق وان يونس قد رده الله إليهم، فخرجوا يطلبونه فوجدوه فجاؤوا به وآمنوا وحسن ايمانهم فمتعهم الله إلى حين وهو الموت وأجارهم من ذلك العذاب.
وعن علي عليه السلام حديث طويل يقول في آخره: وأنبت الله عليه شجرة من يقطين وهي الدبا فأظلته من الشمس فسكن، ثم أمر الشجرة فتنحت عنه ووقع الشمس عليه فجزع، فأوحى الله إليه: يا يونس لم لم ترحم مأة ألف أو يزيدون وأنت تجزع ساعة؟فقال: رب عفوك عفوك، فرد الله بدنه ورجع إلى قومه وآمنوا به وهو قوله: " فلولا كانت قرية آمنت فنفعها ايمانها الا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين ".
في الكافي باسناده إلى أبي عبد الله عليه السلام حديث طويل يقول فيه عليه السلام: ان جبرئيل استثنى في هلاك قوم يونس ولم يسمعه يونس.
في روضة الكافي عنه عن أحمد بن محمد عن ابن محبوب عن عبد الله ابن سنان عن معروف بن خربوذ عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله عز وجل رياح رحمة ورياح عذاب، فان شاء ان يجعل الرياح من العذاب رحمة فعل، قال: ولن يجعل الرحمة من الريح عذابا قال: وذلك أنه لم يرحم قوما قط أطاعوه فكانت طاعتهم إياه وبالا عليهم الا من بعد تحولهم عن طاعته، قال: وكذلك فعل بقوم يونس لما آمنوا رحمهم الله بعد ما قد كان قدر عليهم العذاب وقضاه، ثم تداركهم برحمته فجعل العذاب المقدر عليهم رحمة، فصرفه عنهم وقد أنزله عليهم وغشيهم، وذلك لما آمنوا به وتضرعوا إليه.
فيمن لا يحضره الفقيه وفي العلل التي ذكرها الفضل بن شاذان " رحمه الله " عن الرضا عليه السلام قال: انما جعل للكسوف صلاة لأنه من آيات الله عز وجل لا يدري الرحمة ظهرت أم لعذاب؟فأحب النبي صلى الله عليه وآله ان تفزع أمته إلى خالقها و راحمها عند ذلك ليصرف عنهم شرها ويقيهم مكروهها كما صرف عن قوم يونس حين تضرعوا إلى الله عز وجل.