۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الكهف، آية ٣٣

التفسير يعرض الآيات ٣٢ إلى ٣٦

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

۞ وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلٗا رَّجُلَيۡنِ جَعَلۡنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيۡنِ مِنۡ أَعۡنَٰبٖ وَحَفَفۡنَٰهُمَا بِنَخۡلٖ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمَا زَرۡعٗا ٣٢ كِلۡتَا ٱلۡجَنَّتَيۡنِ ءَاتَتۡ أُكُلَهَا وَلَمۡ تَظۡلِم مِّنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ وَفَجَّرۡنَا خِلَٰلَهُمَا نَهَرٗا ٣٣ وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرٞ فَقَالَ لِصَٰحِبِهِۦ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالٗا وَأَعَزُّ نَفَرٗا ٣٤ وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِۦٓ أَبَدٗا ٣٥ وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهَا مُنقَلَبٗا ٣٦

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ اضرِب لهَُم مَّثَلاً رَّجُلَينِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَينِ مِنْ أَعْنَبٍ وَ حَفَفْنَهُمَا بِنَخْلٍ وَ جَعَلْنَا بَيْنهُمَا زَرْعاً(32) كلْتَا الجَْنَّتَينِ ءَاتَت أُكلَهَا وَ لَمْ تَظلِم مِّنْهُ شيْئاً وَ فَجَّرْنَا خِلَلَهُمَا نهَراً(33) وَ كانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصحِبِهِ وَ هُوَ يحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثرُ مِنك مَالاً وَ أَعَزُّ نَفَراً(34) وَ دَخَلَ جَنَّتَهُ وَ هُوَ ظالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً(35) وَ مَا أَظنُّ الساعَةَ قَائمَةً وَ لَئن رُّدِدت إِلى رَبى لأَجِدَنَّ خَيراً مِّنْهَا مُنقَلَباً(36)

القراءة

قرأ أبو جعفر و عاصم و يعقوب و سهل و كان له ثمر و أحيط بثمره في الموضعين بالفتح و وافق رويس في الأول و قرأ أبو عمرو بضم الثاء و سكون الميم في الموضعين و الباقون بضم الثاء و الميم في الحرفين و قرأ أهل الحجاز و ابن عامر خيرا منهما بزيادة ميم و كذلك هو في مصاحفهم و قرأ أهل العراق « منها » بغير ميم.

الحجة

قال أبو علي: الثمرة ما يجتني من ذي الثمر و جمعها ثمرات و يجمع على ثمر كبقرة و بقر و على ثمار كرقبة و رقاب و على هذا تشبيه المخلوقات بغير المخلوقات و قد يشبه كل واحد منهما بالآخر و يجوز في القياس أن يكسر ثمار على ثمر ككتاب و كتب و قراءة أبي عمرو و كان له ثمر يجوز أن يكون جمع ثمار كما يخفف كتب و يجوز أن يكون ثمر جمع ثمرة

كبدنة و بدن و خشبة و خشب و يجوز أن يكون ثمر واحدة كعنق و طنب فعلى أي هذه الوجوه كان جاز إسكان العين منه كذلك في قوله و أحيط بثمره و قال بعض أهل اللغة الثمر المال و الثمر المأكول و جاء في التفسير قريب من هذا قالوا الثمر النخل و الشجر و لم يرد به الثمرة و الثمر على ما روي عن عدة من السلف بل الأصول التي تحمل الثمرة لا نفس الثمر بدلالة قوله فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها أي في الجنة و النفقة إنما تكون على ذوات الثمرة في أغلب العرف و كانت الآفة التي أرسلت إليها اصطلمت الأصول و اجتاحتها كما جاء في صفة الجنة الأخرى فأصبحت كالصريم أي كالليل في سوادها لاحتراقها و كالنهار في بياضها و ما بطل من خضرتها بالآفة النازلة بها و حكي عن أبي عمرو ثمر و الثمر أنواع المال فإذا اصطلم الثمر فاجتيح دخلت الثمرة فيه و لا يمكن أن يصاب الأصل و لا تصاب الثمرة و إذا كان كذلك فمن قرأ بثمره و ثمره كان قوله أبين ممن قرأ بالفتح و يجوز القراءة بالفتح كأنه أخبر عن بعض ما أصيب و أمسك عن بعض و قوله « خيرا منها » منقلبا فالإفراد لأنه أقرب إلى الجنة المفردة في قوله « و دخل جنته » و التثنية لتقدم ذكر الجنتين.

اللغة

حف القوم بالشي‏ء إذا أطافوا به و حفافا الشي‏ء جانباه كأنهما أطافا به قال طرفة:

{كأن جناحي مضرحي تكنفا --- حفافيه شكا في العسيب بمسرد}

و المحاورة مراجعة الكلام في المخاطبة و يقال كلمت فلانا فما رجع إلى حوارا و محورة و حويرا.

الإعراب

إنما قال « آتت » على لفظ كلتا فإنه بمنزلة كل في أنه مفرد اللفظ و لو قال أتتا على المعنى لجاز قال الشاعر في التوحيد:

{و كلتاهما قد خط لي في صحيفتي --- فلا العيش أهواه و لا الموت أروح}

المعنى

ثم ضرب الله لعباده مثلا يستفيئهم به إلى طاعته و يزجرهم عن معصيته و كفران نعمته فقال مخاطبا لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) « و اضرب لهم مثلا رجلين » روي عن ابن عباس أنه قال يريد ابني ملك كان في بني إسرائيل توفي و ترك ابنين و ترك مالا جزيلا فأخذ أحدهما حقه منه و هو المؤمن منهما فتقرب إلى الله تعالى و أخذ الآخر حقه فتملك به ضياعا منها هاتان

الجنتان و في تفسير علي بن إبراهيم بن هاشم أنه يريد رجلا كان له بستانان كبيران كثيرا الثمار كما حكى سبحانه و كان له جار فقير فافتخر الغني على الفقير و قال له أنا أكثر منك مالا و أعز نفرا و هذا أليق بالظاهر « جعلنا لأحدهما جنتين » أي بستانين أجنهما الأشجار « من أعناب و حففناهما بنخل » أي جعلنا النخل مطيفا بهما « و جعلنا بينهما زرعا » أي و جعلنا بين البستانين مزرعة فكملت النعمة بالعنب و التمر و الزرع « كلتا الجنتين آتت أكلها » أي كل واحدة من البستانين آتت غلتها و أخرجت ثمرتها و سماه أكلا لأنه مأكول « و لم تظلم منه شيئا » أي لم تنقص منه شيئا بل أدته على التمام و الكمال كما قال الشاعر:

{و يظلمني مالي كذا و لوى يدي --- لوى يده الله الذي هو غالبه}

أي ينقصني مالي « و فجرنا خلالهما نهرا » أي شققنا وسط الجنتين نهرا يسقيهما حتى يكون الماء قريبا منهما يصل إليهما من غير كد و تعب و يكون ثمرهما و زرعهما بدوام الماء فيهما أوفي و أروى « و كان له ثمر » قيل إن معناه و كان للنخل الذي فيهما ثمر و قيل معناه و كان للرجل ثمر ملكه من غير جنتيه كما يملك الناس ثمارا لا يملكون أصلها عن ابن عباس و قيل كان لهذا الرجل مع هذين البستانين الذهب و الفضة عن مجاهد و قيل كان له معهما جميع الأموال عن قتادة و ابن عباس في رواية أخرى « فقال لصاحبه و هو يحاوره » أي فقال الكافر لصاحبه المؤمن و هو يخاطبه و يراجعه في الكلام « أنا أكثر منك مالا و أعز نفرا » أي أعز عشيرة و رهطا و سمي العشيرة نفرا لأنهم ينفرون معه في حوائجه و قيل معناه أعز خدما و ولدا عن قتادة و مقاتل « و دخل جنته و هو ظالم لنفسه » أي و دخل الكافر بستانه و هو ظالم لنفسه بكفره و عصيانه « قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا » أي ما أقدر أن تفنى هذه الجنة و هذه الثمار أبدا و قيل يريد ما أظن هذه الدنيا تفنى أبدا « و ما أظن الساعة قائمة » أي و ما أحسب القيامة آتية كائنة على ما يقوله الموحدون « و لئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا » معناه و لئن كانت القيامة و البعث حقا كما يقوله الموحدون لأجدن خيرا من هذه الجنة قال الزجاج و هذا يدل على أن صاحبه المؤمن قد أعلمه أن الساعة تقوم و أنه يبعث فأجابه بأن قال له و لئن رددت إلى ربي أي كما أعطاني هذه في الدنيا سيعطيني في الآخرة أفضل منها لكرامتي عليه ظن الجاهل أنه أوتي ما أوتي لكرامته على الله تعالى و قيل معناه لأكتسبن في الآخرة خيرا من هذه التي اكتسبتها في الدنيا و من قرأ منهما رد الكناية إلى الجنتين اللتين تقدم ذكرهما و في هذا دلالة على أنه لم يكن قاطعا على نفي المعاد بل كان شاكا فيه.