قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾
القراءة:
قرأ الكسائي: " المحصنات " (ومحصنات)، بكسر الصاد حيث وقع، إلا قوله: " والمحصنات من النساء " ههنا فإنه فتح الصاد. وقرأ أهل الكوفة إلا أبو بكر، وأبو جعفر: " وأحل لكم " - بضم الهمزة، وكسر الحاء - الباقون: بفتحها. وقرأ أهل الكوفة إلا حفصا: " أحصن " بفتح الهمزة والصاد، الباقون بضم الهمزة وكسر الصاد.
المعنى:
قيل في معنى قوله: " والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم " ثلاثة أقوال:
أحدها: وهو الأقوى - ما قاله علي (ع)، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو قلابة، وابن زيد، عن أبيه، ومكحول، والزهري، والجبائي: أن المراد به ذوات الأزواج إلا ما ملكت أيمانكم، من سبي من كان لها زوج. وقال بعضهم، مستدلا على ذلك بخبر أبي سعيد الخدري، أن الآية نزلت في سبي أوطاس، ومن خالفهم ضعف هذا الخبر بأن سبي أوطاس كانوا عبدة الأوثان، دخلوا في الاسلام.
الثاني: قال أبي بن كعب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وابن مسعود - في رواية أخرى عنه - وسعيد بن المسيب، والحسن، وإبراهيم: إن المراد به ذوات الأزواج إلا ما ملكت أيمانكم ممن قد كان لها زوج، لان بيعها طلاقها. وقال ابن عباس: طلاق الأمة ست: سبيها طلاقها، وبيعها، وعتقها، وهبتها، وميراثها، وطلاقها. وحكي عن علي (ع)، وعمر، وعبد الرحمن بن عوف: أن السبي خاصة طلاقها، قالوا لان النبي صلى الله عليه وآله خير بريرة بعد أن أعتقتها عائشة، ولو بانت بالعتق لما صح. وزعم هؤلاء أن طلاقها كطلاق الحرة.
الثالث: قال أبو العالية. وعبيدة، وسعيد بن جبير، وعطاء، واختاره الطبري: ان المحصنات العفائف، إلا ما ملكت أيمانكم بالنكاح، أو بالثمن ملك استمتاع بالمهر والبينة، أو ملك استخدام بثمن الأمة.
اللغة والاعراب:
وأصل الاحصان المنع. وسمي الحصن حصنا لمنعه من أراده من أعدائه، والدرع الحصينة أي المنيعة، والحصان الفحل من الأفراس لمنعه صاحبه من الهلاك، والحصان العفيفة من النساء، لمنعها فرجها من الفساد. ومنه قوله: " التي أحصنت فرجها " ( 1 ) وكذلك أحصنها الزوج، وبناء حصين ممتنع، وحصنت المرأة تحصن حصانة، والحاصن: العفيفة، قال العجاج:
وحاصن من حاصنات ملس * من الأذى ومن قراف الوقس ( 2 )
وقال أبو علي الفارسي، قال سيبويه: حصنت المرأة حصنا وهي حصان، مثل: جبنت جبنا فهي جبان، وقالوا حصنا، كما قالوا: علما قال الأزهري: يقال للرجل إذا تزوج: أحصن فهو محصن، كقولهم: ألفج فهو ملفج إذا أعدم وافتقر، وأسهب فهو مسهب، إذا أكثر الكلام. وكلام العرب كله على أفعل فهو مفعل، بكسر العين، مثل أسمع فهو مسمع، وأعرب فهو معرب، وأفصح فهو مفصح، إلا ما ذكرناه والاحصان على أربعة أقسام:
أحدها: يكون بالزوجة، كقوله: " والمحصنات من النساء ".
والثاني: بالاسلام، كقوله: " فإذا أحصن فان أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات " ( 3 ).
والثالث: بالعفة كقوله: " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء " ( 4 ).
الرابع: يكون بالحرية، كقوله: " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " ( 5 ) وقوله: " كتاب الله عليكم " يحتمل نصبه وجهين:
أحدهما: أن يكون مصدرا جرى على غير فعله وفيه معناه، كأنه قال: حرم الله ذلك كتابا من الله، أو كتب كتابا، كما قال: " صنع الله الذي أتقن كل شئ " ( 6 ) فنصبه بقوله: " وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب " ( 7 ) فكان ذلك دلالة على أنه قد صنعها فنصب على أنه مصدر، وقال الشاعر: ورضت فذلت صعبة أي اذلال (ه) لان معنى رضت أذللت، قال الزجاج: ويجوز أن يكون منصوبا على جهة الامر، ويكون " عليكم " مفسرا.
والمعنى:
الزموا كتاب الله.
الثاني: على الاغراء، والعامل محذوف، لان عليكم لا يعمل فيما قبله: وأنشد:
يا أيها المائح دلوى دونكا * إني رأيت الناس يحمدونكا ( 8 )
والمعنى هذا دلوي دونكا، وهو معنى قول الزجاج.
المعنى:
وقوله: (وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم) قيل في معناه أربعة أقوال:
أحدها: قال عبيدة السلماني، والسدي: أحل لكم ما دون الخمس، أن تبتغوا بأموالكم على وجه النكاح.
الثاني: قال عطاء أحل لكم ما وراء ذوات المحارم من أقاربكم.
الثالث: قال قتادة: (ما وراء ذلكم) مما ملكت أيمانكم.
الرابع: ما وراء ذوات المحارم إلى الأربع، أن تبتغوا بأموالكم نكاحا، أو بملك يمين، وهذا الوجه أولى، لأنه حمل الآية على عمومها في جميع ما ذكر الله، ولا تنافي بين هذه الأقوال. ومن فتح الهمزة حمله على أقرب المذكورين في قوله: (كتاب الله علكيم) ومن ضم حمله على (حرمت) وموضع (أن تبتغوا) نصب، ويحتمل نصبه على وجهين:
أحدهما: على البدل من ما.
1 - سورة التحريم: آية / 12.
2 - ديوانه 78، واللسان (قنس)، (وقس)، (حصن) ومجاز القرآن 1: 122 ورواية اللسان (عن) بدل (من) في العجز في الموضعين.
3 - سورة النساء: آية 25.
4 - سورة النور: آية 4.
5 - سورة المائدة: آية 6.
6 - سورة النمل: آية 88.
7 - سورة النمل: آية 88.
8 - قائله امرؤ القيس. ديوانه: 161. وصدره: وصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا.
9 - البيت الجاهلي من بني أسيد بن عمر بن تميم. معاني القرآن 1: 260، وخزانة الأدب 3: 17.
10 - سورة المؤمنون: آية 5 - 6 وسورة المعارج آية 29 - 3.
11 - سورة النساء: آية 25.