۞ التبيان في تفسير القرآن

سورة يس، آية ٣٢

التفسير يعرض الآيات ٣١ إلى ٣٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن تفسير شبر التبيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ أَنَّهُمۡ إِلَيۡهِمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ٣١ وَإِن كُلّٞ لَّمَّا جَمِيعٞ لَّدَيۡنَا مُحۡضَرُونَ ٣٢ وَءَايَةٞ لَّهُمُ ٱلۡأَرۡضُ ٱلۡمَيۡتَةُ أَحۡيَيۡنَٰهَا وَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهَا حَبّٗا فَمِنۡهُ يَأۡكُلُونَ ٣٣ وَجَعَلۡنَا فِيهَا جَنَّٰتٖ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ وَفَجَّرۡنَا فِيهَا مِنَ ٱلۡعُيُونِ ٣٤ لِيَأۡكُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦ وَمَا عَمِلَتۡهُ أَيۡدِيهِمۡۚ أَفَلَا يَشۡكُرُونَ ٣٥

۞ التفسير

التبيان في تفسير القرآن

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنْ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ، وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ، وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ، وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ، لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾

القراءة:

قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة " لما " بتشديد الميم، الباقون بتخفيفها. وقرأ أهل المدينة " الميتة " بالتشديد، لأنه يقال: لما كان حيا ومات ميت بالتشديد، ولما لم يكن حيا بالتخفيف - ذكره الفراء - وقرأ أهل الكوفة إلا حفصا " وما عملت " بغير هاء. الباقون بالهاء. من قرأ (لما) بالتخفيف فإنه يكون (ما) في قوله (لما) صلة مؤكدة، وتكون (ان) هي المخففة من الثقيلة وتقديره، وإن كل لجميع لدينا محضرون، ومن قرأ بالتشديد يحتمل شيئين:

أحدهما: أن يكون بمعنى (إلا) وتقديره وان كل إلا لجميع لدينا محضرون وتكون (إن) بمعنى الجحد، وكأنه جحد دخل على جحد، فخرج إلى معنى الاثبات. ومثله في الاستعمال سألتك لما فعلت، بمعنى الا فعلت.

والوجه الثاني: أن يكون معنى (لما) بمعنى (لمن ما) فحذفت احدى الميمات، لأجل التضعيف كما قال الشاعر:

غداة طفت علماء بكر بن وائل * وعجنا صدور الخيل نحو تميم

أراد على الماء، فحذف لالتقاء المضاعف، وأما (ما) في قوله " وما عملت أيديهم " يحتمل ثلاثة أوجه:

أحدها: أن يكون بمعنى الجحد. وتقديره ليأكلوا من ثمره، ولم تعمله أيديهم، ويقوى ذلك قوله " أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون " ( 1 ).

الثاني: أن يكون بمعنى الذي.

الثالث: أن يكون مع ما بعده بمعنى المصدر، فعلى هذا يكون في موضع جر، وتقديره ليأكلوا من ثمره ومن الذي عملته أو من عمل أيديهم من أنواع الطعوم الذي أنبتوه، والذي غرسوه، ومن الذي يطحنونه ويخبزونه، فمن أثبت الهاء أو حذفها تبع المصاحف، لان المصاحف مختلفة. والهاء عائدة على (ما) و (عملت) صلتها. ومن حذف اختصر، لأنها للمفعول به، وكل مفعول يجوز حذفه، كقوله " ما ودعك ربك وما قلي " ( 2 ) يريد وما قلاك ومثله " منهم من كلم الله " ( 3 ) يريد كلمه الله، وكقوله " أهذا الذي بعث الله رسولا " ( 4 ) يريد بعثه الله. يقول الله تعالى منبها للكفار على وجه الاستدلال على وحدانيته بأن يقول " ألم يروا " ومعناه ألم يعلم هؤلاء الكفار " كم أهلكنا قبلهم من القرون " فمعنى (كم) ههنا للتكثير، ويفسرها (من القرون) وتقديره ألم يروا كم قرنا أهلكنا قبلهم من القرون، وموضع (كم) نصب ب? (يروا) - في قول الكوفيين، وعند البصريين ب? (أهلكنا) على تقدير القرون أهلكنا أو أكثر " انهم إليهم لا يرجعون " ونصب (انهم) لأنه مفعول (ألم يروا) وكسره الحسن على وجه الاستئناف، ووجه الاحتجاج بذلك هو انه قيل لهم: انظروا لم لا يرجعون فإنكم تجدون ذلك في قبضة مالكهم يردهم في الآخرة إذا شاء ردهم، لأنه لا يخلو اهلاكهم اما بالاتفاق من غير إضافة أو بالطبيعة أو بحي قادر، ولو كان بالاتفاق أو بالطبيعة لم يمتنع ان يرجعوا إلى الدنيا، فإذا بطل ذلك، ثبت أن إهلاكهم بحي قادر إذا شاء ردهم وإذا شاء لم يردهم. ووجه التذكر بكثرة المهلكين أي انكم ستصيرون إلى مثل حالهم، فانظروا لأنفسكم واحذروا أن يأتيكم الا هلاك، وأنتم في غفلة عما يراد بكم. والقرون جمع (قرن) وأهل كل عصر يسمى قرنا، لاقترانهم في الوجود والقرن - بكسر القاف - هو المقاوم في الحرب، ومنه قرن الشاة لمقارنته القرن الآخر، وكذلك كل ذي قرنين. وقال قتادة " انهم إليهم لا يرجعون " عاد وثمود، وقرون بين ذلك كثيرة. ثم قال وهؤلاء الذين لا يرجعون كلهم " لدينا محضرون " يوم القيامة يحضرهم الله ويبعثهم ليجازيهم على اعمالهم. وقوله ﴿ وآية لهم ﴾ على ذلك أي دلالة وحجة قاطعة ﴿ الأرض ﴾ يعني هي الأرض ﴿ الميتة ﴾ القحطة المجدبة وهي التي لا تنبت ﴿ أحييناها ﴾ بالنبات ﴿ وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون ﴾ من أنواع ما يأكلون ﴿ وجعلنا فيها ﴾ أي وخلقنا في الأرض ﴿ جنات ﴾ يعني بساتين ﴿ من نخيل ﴾ جمع نخل ﴿ وأعناب ﴾ جمع عنب ﴿ وفجرنا فيها ﴾ في تلك الجنات ﴿ من العيون ﴾ وهي عيون الماء تنبع فيها وتجري ثم بين انه إنما خلق ذلك ﴿ ليأكلوا من ثمره ﴾ أي غرضنا نفعهم بذلك وانتفاعهم بأكل ثمار تلك الجنات ﴿ وما عملته أيديهم ﴾ أي ولم تعمل تلك الثمار أيديهم إذا (ما) كانت بمعنى النفي، وإذا كانت معناها معنى الذي يكون تقديره، والذي عملته أيديهم من أنواع الأشياء المتخذة من النخل والعنب وكثرة منافعه. وقوله ﴿ من ثمره ﴾ رد الكناية إلى أحدهما كما قال ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ﴾ ( 5 ) كما قال الشاعر:

نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرأي مختلف ( 6 )

1 - سورة 9 التوبة آية 73.

2 - سورة 93 الضحى آية 3.

3 - سورة 2 البقرة آية 253.

4 - سورة 25 الفرقان آية 41.

5 - سورة 9 التوبة آية 35.

6 - مر في 1 / 117، 220، 263 و 5 / 246، 289.