قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾
المعنى:
التقدير واذكروا إذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا. فان قيل: هل كان الحرم آمنا قبل دعوة إبراهيم (ع)؟قيل فيه خلاف: قال مجاهد عن ابن عباس، وأبو شريح الخزاعي: كان آمنا لقول النبي صلى الله عليه وآله حين فتح مكة هذه حرم حرمها الله يوم خلق السماوات والأرض، وهو الظاهر في رواياتنا.
وقال قوم: كانت قبل دعوة إبراهيم كسائر البلاد، وإنما صارت حرما بعد دعوته (ع) كما صارت المدينة. لما روي أن النبي صلى الله عليه وآله قال: ان إبراهيم (ع) حرم مكة، واني حرمت المدينة.
وقال بعضهم: كانت حراما والدعوة بوجه غير الوجه الذي صارت به حراما بعد الدعوة والأول يمنع الله إياها من الاضطلام، والانتقام، كما لحق غيرها من البلاد، وبما جعل في النفوس من تعظيمها، والهيبة لها. والوجه الثاني: بالامر على ألسنة الرسل. فأجابه الله إلى ما سأل. وإنما سأل أن يجعلها آمنا من الجدب، والقحط لأنه أسكن أهله بواد غير ذي زرع، ولا ضرع. ولم يسأله أمنه من انتقال، وخسف، لأنه كان آمنا من ذلك. وقال قوم: سأله الامرين على أن يديمهما له.
وإن كان أحدهما مستأنفا، والآخر كان قبل. ومعنى قوله: " بلدا آمنا " أي يأمنون فيه. كما يقال: ليل نائم أي النوم فيه.
اللغة:
والبلد والمصر والمدينة نظائر. ورجل بليد إذا كان بعيد الفطنة. وكذلك يقال للدابة التي تقصر عن نظائرها. وأصل البلادة التأثير. ومن ذلك قولهم لكركرة البعير: بلدة لأنه إذا برك تأثرت ( 1 ). والبلد: الأثر في الجلد، وغيره. وجمعه أبلاد. وإنما سميت البلاد من قولك.
بلد أو بلدة، لأنها مواضع مواطن الناس وتأثيرهم والبلد: المقبرة ويقال: هو نفس القبر قال حفاف:
كل امرئ نازل أحبته * ومسلم وجهه إلى البلد
" ولا اقسم بهذا البلد " يعني بمكة والتبلد نقيض التجلد. وهو استكانة وخضوع. وتبلد الرجل: إذا نكس وضعف في العمر، وغيره حتى في السجود. والبلدة: منزل من منازل القمر. وأصل الباب البلد، وهو الأثر في الجلد، وغيره.
المعنى:
" وقوله " فأمتعه قليلا " يعني بالرزق الذي أرزقه إلى وقت مماته. وقيل فأمتعه بالبقاء في الدنيا.
قال الحسن: فأمتعه بالأمن والرزق إلى خروج محمد صلى الله عليه وآله فيقتله إن أقام على كفره. أو يجليه ( 2 ) عنها.
وقد قرئ في الشواذ فأمتعه على وجه الدعاء بصورة الامر، ثم اضطره بمثل ذلك على أن يكون ذلك سؤالا من إبراهيم ان يمتع الكافر قليلا ثم يضطره بعد ذلك إلى عذاب النار والأول أجود لأنه قراءة الجماعة، هذا مروي عن ابن عباس.
القراءة:
والراء مفتوحة في هذه القراءة وكان يجب ان تكسر كما يقال مد ومد ولم يقرأ به أحد وقرأ: ابن عباس وحده " فأمتعه قليلا " من المتعة على الخبر الباقون بالتشديد بدلالة قوله: " متعناهم إلى حين ".
اللغة:
والفرق بين متعت وأمتعت ان التشديد يدل على تكثير الفعل، وليس كذلك التخفيف. وفعلت وأفعلت يجئ على خمسة أقسام:
أحدها: ان يكونا بمعنى واحد كقولهم: سميت وأسميت ويجئ على التكثير والتقليل ويجئ على النقص كقولك: فرطت: قصرت. ( 3 ) وأفرطت: جاوزت.
والرابع: توليت الفعل وتركته حتى يقع: كقوله " يخربون بيوتهم " اي يهدمون. فاما أخربت فمعناه ( 4 ) تركت المنزل وهربت منه حتى خرب.
والخامس: ان ينفرد أحدهما عن الآخر. كقولك: كلمت لا يقال فيه أفعلت وأجسلت ولا يقال: منه فعلت.
المعنى:
ومعنى " ثم أضطره " ادفعه إلى عذاب النار وأسوقه إليها. والاضطرار هو الفعل في الغير على وجه لا يمكنه الانفكاك منه، إذا كان من جنس مقدوره، ولهذا لا يقال فلان مضطر إلى كونه - وإن كان لا يمكنه دفعه عن نفسه - لما لم يكن الكون من جنس مقدوره.
ويقال هو مضطر إلى حركة الفالج وحركة العروق، لما كانت الحركة من جنس مقدورة. وقوله: " وبئس المصير " هو الحال التي يؤدي إليها أولها.
اللغة:
وصار وحال وآل نظائر. يقال صار يصير مصيرا، قياسه رجع يرجع مرجعا ( 5 ) وصيرة تصييرا قال صاحب العين: صير، كل امر مصيرة والصيرورة مصدر صار يصير صيرورة.
وقال بعضهم: صيور الامر اخره. قال الكميت يمدح هشام ابن عبد الملك:
ملك لم يصنع الله منه * بدء أمر ولم يضع صيورا
وصارة الجبل: رأسه. والصير: الشق. وفي الحديث من نظر في صير باب ففقئت عينه فهي هدر. وصير البقر: موضع يتخذه للحظيرة. وإذا كان للغنم فهو زريبة واصل الباب: المصير، وهو المآل.
المعنى:
ومعنى الآية سأل سؤال عارف بالله مطيع له، وهو ان يرزق من الثمرات من آمن بالله، واليوم الآخر، فأجاب الله ذلك، ثم أعلمه انه يمنع من كفر به، لأجل الدنيا، ولا يمنعه من ذلك كما يتفضل به على المؤمن، ثم يضطره في الآخرة، إلى عذاب النار، وبئس المصير. وهي كما قال: نعوذ بالله منها.
وقوله في الآية " قليلا " يحتمل أن يكون صفة للمصدر كما قال متاعا حسنا فوصف به المصدر، وليس لاحد ان يقول كيف يوصف به المصدر، وهو فعل يدل على التكثير، وكيف يستقيم وصف الكثير بالقليل في قوله " فأمتعه " وهلا كانت قراءة ابن عامر ان حج على هذا وذلك أيضا إنما وصفه بأنه قليل من كان آخره إلى نفاد، ونقص، وفناء. كما قال " متاع الدنيا قليل " ويجوز أيضا أن يكون صفة للزمان.
كما قال: " عما قليل ليصبحن نادمين " يعني بعد زمان قليل وعن أبي جعفر " ع " في قوله: " وارزقهم من الثمرات " اي تحمل إليهم من الآفاق.
1 - في المطبوعة (الجلية) بدل (يجليه).
2 - في المطبوعة (فبصرت).
3 - المطبوعة فمتعناه).
4 - في المطبوعة (رجعا).
5 - سورة الواقعة: آية 24.