۞ التبيان في تفسير القرآن

سورة البقرة، آية ١٠٩

التفسير يعرض الآية ١٠٩

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن تفسير شبر التبيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَدَّ كَثِيرٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَٱعۡفُواْ وَٱصۡفَحُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٠٩

۞ التفسير

التبيان في تفسير القرآن

قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

المعنى:

بقوله: " ود كثير من أهل الكتاب " عن الحسن - النصارى واليهود. وقال الزهري، وقتادة: كعب بن الاشراف، وعن ابن عباس حي بن اخطب، وأبو ياسر بن اخطب.

وحسدا نصب على أحد أمرين:

أحدهما: على الجملة التي قبله بدلا من الفعل. كأنه قال: حسدوكم حسدا كأنه قال: نحسدك حسدا.

والآخر: أن يكون مفعولا. كأنه قال: يردونكم لأجل الحسد كما تقول: جئته خوفا منه. تقول حسدت احسد حسدا، وحسدتك على الشئ، وحسدتك الشئ بمعنى واحد. قال الشاعر:

فقلت إلى الطعام فقال منهم * فريق نحسد الانس الطعاما ( 1 )

ورجل حاسد وحسود، وحساد. والحسد هو الأسف بالخير على من له خير. وأشد الحسد التعرض للاغتمام بكون الخير لاحد. وقد يكون الحاسد متمنيا لزوال النعمة عن المحسود وان لم يكن يطمع في تحول تلك النعمة. والصفح هو التجاوز عن الذنب. والصفح، والعفو، والتجاوز بمعنى واحد. يقال صفح صفحا وتصفح تصفحة، وتصافحوا تصافحا والصفحة ما كان من ظاهر الشئ. يقال لظاهر جلد الانسان: صفحة، وكذلك هو من كل شئ. ومن هذا صافحته: اي لقيت صفحة كفه صفحة كفي. وفي الحديث النشيج للرجال والتصفح للنساء: اي التصفيق. فإنما هو لأنها تضرب بصفحة كف على صفحة الأخرى. وانشد الأصمعي:

كأن مصفحات في ذراه * وانواحا عليهن المآلى ( 2 )

المآلي جمع مئلاة وهي خرقة تمسكها النايحة تقلص بها دمعتها. والصفاح من السيوف العراض واحدها صفحة وصفحة. وقال:

ضربناهم حتى إذا ارفض جمعهم * علوناهم بالمرهفات الصفائح

وصفحت عنه قيل فيه قولان:

أحدهما: اني آخذه بذنبه. وأبديت له مني صفحة جميلة.

الثاني: وقيل بل لم ير مني ما يقبض صفحته. وتقول صفحت الورقة: اي تجاوزتها إلى غيرها. ومنه تصفحت الكتاب، وقد تصفح الكتاب، وقد يتصفح الكتاب من لا يحسن ان يقرأ. ويسمى الصفح من المصحف وغيره من الدفاتر من الصفحة. ومنه " فاصفح الصفح الجميل " ( 3 ). وقوله: " فاعفوا واصفحوا " قال الحارث بن هشام:

وصفحت عنهم والأحبة فيهم * طمعا لهم بعقاب يوم سرمد

اي لم أحاربهم لافبض صفاحهم، أو أريهم ذلك في نفسي. ويقال نظر إليهم صفحا بقدر ما أبدي صفحته لم يتجاوز. والصفاح موضع سمي بذلك، لأنه صخور مستوية تبدو صفائحها. وأصل الباب صفحة الشئ وهي ظاهره. وقوله: " من عند أنفسهم " قال الزجاج: متعلق ب? " ود كثير " لا بقوله: " حسدا "، لان حسد الانسان، لا يكون من غير نفسه. وقد يجوز ان يتصل بقوله: " حسدا " على التوكيد. كما قال تعالى: " ولا طائر يطير بجناحيه " ( 4 ) ويحتمل وجها آخرا وهو ان اليهود كما يضيفون الكفر والمعاصي إلى الله تعالى، فقال الله: " من عند أنفسهم " تكذيبا لهم انها من عند الله. وقوله: " من بعد ما تبين لهم الحق " قال قتادة: من بعد ما تبين لهم ان محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله والاسلام دين الله. وهو قول الربيع والسدي وابن زيد، وروى عن ابن عباس مثله.

وقال بن عباس: ان قوله: " فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره " منسوخة بقوله: " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " ( 5 ). وقال قتادة نسخت بقوله: " قاتلوا المشركين الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر " الآية. وبه قال الربيع والسدي.

وروي عن أبي جعفر محمد بن علي: أنه قال: لم يؤمر رسول الله صلى الله عليه وآله بقتل، ولا اذن له فيه حتى نزل جبرائيل (ع) بهذه الآية " اذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا " ( 6 ) وقلده سيفا.

وقوله: " حتى يأتي الله بأمره " قال أبو علي: " بأمره " لكم يعاقبهم أو يعافيهم هو على ذلك، ثم اتى بأمره فقال: " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله " ( 7 ) وقوله: " ان الله على كل شئ قدير " قيل فيه ثلاثة أقوال: قال أبو علي: انه قدير على عقابهم إذ هو " على كل شئ قدير ".

وقال الزجاج: قدير على أن يدعو إلى دينه بما أحب مما هو الأليق بانجائكم اي فيأمر بالصفح تارة وبالعقاب أخرى على حسب المصلحة.

والثالث: انه لما امر بالامهال، والتأخير في قوله: " فاعفوا واصفحوا " كأن فيه تعلق النفس بالعافية في ذلك، فقال امهلوهم فإنهم لا يعجزون الله، ولا يفوتونه، إذ هو " على كل شئ قدير ".

وإنما أمرهم بالصفح، والعفو وان كانوا مضطهدين مقهورين مقموعين، من حيث إن كثيرا من المسلمين كانوا عزيزين في عشائرهم، وأقوامهم يقدرون على الانتصار والانتقام من الكفار، فامرهم الله تعالى بان يعفوا وإن قدروا حتى يأتي الله بأمره.

1 - اللسان " صفح " وقد نسب البيت إلى لبيد. وفي المطبوعة والمخطوطة " بأيديها " بدل " عليهن " المصفحات - بكسر الفاء وتشديدها - نساء يصفقن بأيديهن في مأتم. وروي " مصفحات " - بفتح الفاء وتشديدها - أريد بها السيوف العريضة.

2 - سورة الحجر: آية 85.

3 - سورة الأنعام: آية 38.

4 - سورة التوبة: آية 6.

5 - سورة الحج: آية 39.

6 - سورة التوبة: آية 30.

7 - وعجز البيت: رأت قمرا بسوقهم نهارا.