۞ التبيان في تفسير القرآن

سورة النحل، آية ٩٣

التفسير يعرض الآيات ٩٢ إلى ٩٣

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن تفسير شبر التبيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثٗا تَتَّخِذُونَ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرۡبَىٰ مِنۡ أُمَّةٍۚ إِنَّمَا يَبۡلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٩٢ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَلَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٩٣

۞ التفسير

التبيان في تفسير القرآن

قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ، وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

هذا نهي من الله تعالى للمكلفين ان يكونوا " كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا " فواحد الأنكاث نكث، وكل شئ نقض بعد الفتل فهو أنكاث: حبلا كان أو غزلا، يقال منه: نكث فلان الحبل ينكثه نكثا، والحبل منتكث إذا انتقضت قواه. و (الدخل) ما أدخل في الشئ على فساد، والمعنى تدخلون الايمان على فساد للغرور، وفي نيتكم الغدر بمن حلفتم له، لأنكم أكثر عددا منهم أو، لان غيركم أكثر عددا منكم وقيل والدخل الدغل والخديعة، وإنما قيل الدخل، لأنه داخل القلب على ترك الوفاء والظاهر على الوفاء. وقيل (دخلا) غلا وغشا، ويقال: انا اعلم دخل فلان ودخله ودخلته ودخيلته، والمعنى لا تنقضوا الايمان لكثرتكم، وقلة من حلفتم له أو لقلتكم وكثرتهم، فإذا وجدتم أكثر منهم نقضتم بل احفظوا عهدكم. و " دخلا " منصوب بأنه مفعول له. وقوله " أن تكون أمة هي أربا من أمة " اي أكثر عددا لطلب العز بهم مع الغدر بالأقل، وهو (أفعل) من الربا، قال الشاعر:

واسمر خطي كأن كعوبه نوى * العسيب قد اربا ذراعا على عشر ( 1 )

ومنه أربا فلان للزيادة التي يزيدها على غريمه في رأس ما له (واربى) في موضع رفع. وأجاز الفراء أن تكون في موضع نصب، وتكون هي عمادا. وقال الزجاج: لا يجوز ذلك، لان العماد لا يكون بين نكرتين، لان " أمة " نكرة، ويفارق قوله " تجدوه عند الله هو خيرا " ( 2 ) لان الهاء في تجدوه معرفة. وقوله " إنما يبلوكم الله به " معناه إنما يختبركم الله بالامر بالوفاء، فالهاء في (به) عائدة على الامر، وتحقيقه يعاملكم معاملة المختبر ليقع الجزاء بالعمل " وليبين لكم " أي ويفصل لكم ويظهر لكم " ما كنتم تختلفون " في صحته يوم القيامة. والتي نقضت غزلها من بعد إبرام قيل: إنها ريطة بنت عمرو بن كعب ابن سعيد بن تميم بن مرة، وكانت حمقاء، فضربه الله مثلا، فقال " أوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها " فتكونوا إن فعلتم ذلك كامرأة غزلت غزلا، وقوت قوته وأبرمت، فلما استحكم نقضته، فجعلته أنكاثا أي أنقاضا، وهو ما ينقض من اخلاق بيوت الشعر والوبر ليعزل ثانية، ويعاد مع الجديد، ومنه قيل: لم بايع طائعا ثم خرج عليك ناكثا؟لأنه نقض ما وكده على نفسه بالايمان والعهود كفعل الناكثة غزلها. ومعنى " أن تكون " لان تكون " أمة " أعز من أمة، وقوم أعلى من قوم، يريد لا تقطعوا بأيمانكم حقوقا لهؤلاء، فتجعلوها لهؤلاء. وقال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء، فإذا وجدوا أكثر منهم نقضوا حلف هؤلاء، وحالفوا أولئك الذين هم أعز، فنهاهم الله عن ذلك. وقوله " ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة " اخبار منه تعالى عن أن العباد إذا خالفوا أمره لم يعاجزوه، ولم يغالبوه تعالى عن ذلك، لأنه لو يشاء لأكرههم على أن يكونوا أمة واحدة، لكنه يشاء أن يجتمعوا على الايمان، على وجه يستحقون به الثواب. ومثله قوله " ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض ") كذلك قال سبحانه - ههنا - ولكن ليمتحنكم ويختبركم لتستحقوا النعيم الذي أراده لكم، فيضل قوم، ويستحقوا الاضلال عن طريق الجنة، والحكم عليهم بأنهم ضالون. ويهتدي آخرون، فيستحقوا الهدى يعني الحكم لهم بالهداية، وإرشادهم إلى طريق الجنة. ثم قال " ولتسألن " يا معشر المكلفين " عما كنتم تعملون " في الدنيا من الطاعات والمعاصي، فتجازون عليه بقدره.

1 - تفسير الطبري 14: 102 ومجمع البيان 3: 381.

2 - سورة المزمل آية 20.