۞ التبيان في تفسير القرآن

سورة النحل، آية ٦٧

التفسير يعرض الآيات ٦٦ إلى ٦٧

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن تفسير شبر التبيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيۡنِ فَرۡثٖ وَدَمٖ لَّبَنًا خَالِصٗا سَآئِغٗا لِّلشَّٰرِبِينَ ٦٦ وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلۡأَعۡنَٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنۡهُ سَكَرٗا وَرِزۡقًا حَسَنًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٦٧

۞ التفسير

التبيان في تفسير القرآن

قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ، وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾

القراءة:

قرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم " نسقيكم " بفتح النون الباقون بضمها. والفرق بين اسقينا وسقينا أن معنى أسقيناه جعلنا له شرابا دائما من نهر أو لبن أو غيرهما، وسقيناه شربة واحدة، ذكره الكسائي قال لبيد:

سقي قومي بني مجد وأسقى * نميرا والقبائل من هلال ( 1 )

فعلى هذا هما لغتان، والأظهر ما قال الكسائي. عند أهل اللغة. وقال قوم: سقيته ماء كقوله " وسقاهم ربهم شرابا طهورا " ( 2 ) وأسقيته سألت الله ان يسقيه وانشد لذي الرمة:

وقفت على ربع لمية ناقتي * فما زلت أبكي عنده وأخاطبه

وأسقيه حتى كاد مما أبثه تكلمني أحجاره وملاعبه ( 3 )

وقيل إن ما كان من الأنهار وبطون الأودية، فبالضم. وقال أبو عبيدة: إذا سقاه مرة يقال سقيته، وإذا سقاه دائما يقال أسقيته يقول الله تعالى لخلقه المكلفين " إن لكم في الانعام " يعني الإبل والبقر والغنم " لعبرة " ودلالة لأنا " نسقيكم مما في بطونه " وقيل في تذكيره ثلاثة أقوال:

أحدها: انه رد إلى واحد. لان النعم والانعام بمعنى، قال سيبويه: والاسم الواحد يجئ على (افعال) يقال هو الانعام. قال تعالى " في بطونه " ذهب إلى أنه اسم واحد بلفظ الجمع، كما أن الخيل اسم مؤنث، لا واحد له، والنعم اسم مذكر للجماعة، لا واحد له، وقال الراجز: وطاب ألبان اللقاح فبرد ( 4 ) رده إلى اللبن.

الثاني: انه حمل على المعنى، والتقدير بطون ما ذكرنا، كما قال الصلتان العبدي:

إن السماحة والمرؤة ضمنا * قبرا بمرو في الطريق الواضح ( 5 )

كأنه قال شيئان ضمنا.

الثالث: لأنه في موضع (اي) كأنه قال " نسقيكم مما في بطونه " اي من اي الانعام وكان في بطونه اللبن، لأنه ليس كلها مما فيه لبنا. وقوله وقوله " من بين فرث ودم لبنا خالصا " فالفرث الثفل الذي ينزل إلى الكرش فبين انه تعالى يخرج ذلك اللبن الصافي، اللذيذ، المشهى من بين ذلك، وبين الدم الذي في العرق النجس " سائغا للشاربين " أي مريئا لهم لا ينفرون منه، ولا يشرقون بشربه، وذلك من عجيب آيات الله ولطف تدبيره وبديع حكمته، الذي لا يقدر عليه غيره، ولا يتأتى من أحد سواه. ثم قال " ومن ثمرات " وهو جمع ثمرة، وهو ما يطعمه الشجر، ما فيه اللذة والثمرة خاصة طعم الشجر مما فيه اللذة يقال: أثمرت الشجرة إثمارا إذا حملت كالنخلة والكرمة وغيرهما من أصناف الشجر. وقوله " يتخذون منه سكرا " قيل في معنى السكر قولان:

أحدهما: تتخذون منه ما حل طعمه من شراب أو غيره، ذكره الشعبي وغيره.

وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير وأبي رزين والحسن ومجاهد وقتادة: ان السكر ما حرم من الشراب، والرزق الحسن ما أحل منه. والسكر في اللغة على أربعة أقسام:

أحدها: ما اسكر.

والثاني: ما طعم من الطعام كما قال الشاعر: جعلت عيب الأكرمين سكرا ( 6 ) اي طعما،

الثالث: السكون قال الشاعر: وجعلت عين الحرور تسكر ( 7 ).

والرابع: المصدر من قولك سكر سكرا، واصله انسداد المجاري بما يلقى فيها ومنها السكر. وقوله " منه " الكناية راجعة إلى محذوف، قال قوم: تقديره ومن ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه، فالهاء كناية عن (ما) المحذوفة وقال آخرون: تقديره ومن ثمرات النخيل والأعناب شئ تتخذون منه. وقد استدل قوم بهذه الآية على تحليل النبيذ بأن قالوا: امتن الله علينا به وعده من جملة نعمه علينا أن خولنا الثمار نتخذ منها السكر، والرزق الحسن. وهو لا يمتن بما هو محرم. وهذا لا دلالة فيه لأمور:

أحدها: انه خلاف ما عليه المفسرون، لان أحدا منهم لم يقل ذلك، بل كل التابعين من المفسرين، قالوا: أراد ما حرم من الشراب، وقال الشعبي منهم: انه أراد ما حل طعمه من شراب وغيره.

والثاني: إنه لو أراد بذلك تحليل السكر، لما كان لقوله " ورزقا حسنا " معنى، لان ما أحله واباحه، فهو أيضا رزق حسن، فلم فرق بينه وبين الرزق الحسن والكل شئ واحد؟وإنما الوجه فيه انه خلق هذه الثمار لتنتفعوا بها فاتخذتم أنتم منها ما هو محرم عليكم، وتركتم ما هو رزق حسن. واما وجه المنة فبالا مرين معا ثابتة، لان ما اباحه واحله فالمنة به ظاهرة لتعجل الانتفاع به وما حرمه الله فوجه المنة أيضا ظاهر به، لأنه إذا حرم علينا، وأوجب الامتناع منه ضمن في مقابلته الثواب الذي هو أعظم النعم، فهو نعمة على كل حال.

الثالث: إذا كان مشتركا بين المسكر وبين الطعم، وجب أن يتوقف فيه ولا يحمل على أحدهما إلا بدليل، وما ذكرناه مجمع على أنه مراد، وما ذكروه ليس عليه دليل، على أنه كان يقتضي أن يكون ما اسكر منه يكون حلالا، وذلك خلاف الاجماع، لأنهم يقولون: القدر الذي لا يسكر هو المباح، وكان يلزم على ذلك أن يكون الخمر مباحا، وذلك لا يقوله واحد، وكذلك كان يلزم أن يكون النقيع حلالا، وذلك خلاف الاجماع. وقوله " إن في ذلك لآية لقوم يعقلون " معناه إن فيما ذكره دلالة ظاهرة للذين يعقلون عن الله ويتفهمون ويفكرون فيه.

1 - ديوانه 1: 128 ونوادر أبي زيد 213 ومجاز القران 1: 350 واللسان والتاج " سقى " ومجمع البيان 3: 370.

2 - سورة الدهر اية 21.

3 - ديوانه 213 ونوادر أبي زيد 213 والمحاسن والأضداد للجاحظ 335 ومجمع البيان 3: 333، 359 وتفسير الطبري 14: 14 والتاج واللسان " سقى ".

4 - تفسير الطبري 14: 81 واللسان (جبه)، (خرت) وقبله: إذا رأيت انجما من الأسد * جبهته أو الخرات والكتد بال سهيل في الفضيخ ففسد * وطاب ألبان اللقاح فبرد.

5 - تفسير الطبري 14: 81 ومجمع البيان 3: 370.

6 - تفسير الشوكاني 3: 168 وتفسير الطبري 14: 84 (واللسان سكر).

7 - تفسير الشوكاني 3: 168 وتفسير الطبري 14: 84 (واللسان سكر).