قوله تعالى: ﴿قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾
في هذه الآية اخبار بما أجاب به يوسف للفتيين اللذين سألاه عن المنام، فقال لهما " لا يأتيكما طعام ترزقانه " والطعام كل جسم فيه طعم يصلح للاكل، غير أنه يختلف بإضافته إلى الحيوان. والرزق العطاء الجاري في الحكم وكذلك لو أعطاه مرة واحدة، وقد حكم بأنه يجريه كان رزقا. وقال السدي وابن إسحاق: معنى ذلك اني عالم بتعبير الرؤيا إذ لا يأتيكما ما ترزقانه في منامكما إلا نبأتكما بتأويله في اليقظة. وقال ابن جريج: كان الملك إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاما معلوما، فأرسل به إليه، فعلى هذا يرزقانه في اليقظة. وقيل إنه كان يخبر بما غاب كما كان عيسى (ع)، وإنما عدل عن تعبير الرؤيا إلى الجواب بهذا لاحد أمرين:
أحدهما: ما قال ابن جريج: انه كره ان يخبرهما بالتأويل على أحدهما فيه، فلم يتركاه حتى أخبرهما.
وقال أبو علي: إنما قدم هذا، ليعلما ما خصه الله به من النبوة، وليقبلا إلى الطاعة، والاقرار بتوحيد الله. والانباء: الاخبار بما يستفاد وذلك أن النبأ له شأن، وفيه تعظيم الخبر بما فيه من الفائدة، ولذلك اخذت منه النبوة. والتأويل: الخبر عما حضر بما يؤول إليه أمره، فيما غاب. ولذلك قال " قبل ان يأتيكما " وتأويل القرآن ما يؤول إليه من المعنى أي يرجع إليه والتعليم تفهيم الدلالة المؤدية إلى العلم بالمعنى، وقد يكون الاعلام بخلق العلم بالمعنى في القلب. وقوله " اني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون " اخبار من يوسف أنه إنما علمه الله تعالى تأويل ما سألاه لايمانه بالله وحده لا شريك له وعدوله عن ملة الكفار وجحدهم البعث والنشور والجزاء بالثواب والعقاب، و (هم) الثانية دخلت للتأكيد لأنه لما دخل بينهما قوله " وبالآخرة " صارت الأولى كالملغاة، وصار الاعتماد على الثانية، كما قال " وهم بالآخرة هم يوقنون " ( 1 ) وكما قال " أيعدكم انكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما انكم مخرجون " ( 2 ).
1 - سورة النمل آية 3، وسورة الروم آية 4.
2 - سورة المؤمنون آية 35.