(قاتِلُوا) أيها المسلمون (الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ) إيمانا صحيحا ، وإن آمنوا به إيمان شرك ونحوه (وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) إيمانا صحيحا ، وإن آمنوا به إيمانا منحرفا ، كأهل الكتاب الذين قالوا : (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً) (1) ، (وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ) المراد بالرسول : إما الأعم ، فإنهم لا يحرّمون المحرمات التي أتى بها موسى وعيسى عليهماالسلام ، أو الأخص يعني محمدا صلىاللهعليهوآلهوسلم (وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِ) أي لا يتخذونه دينا ، والمراد به الإسلام (مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) __________________ (1) البقرة : 81. حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (29) ____________________________________ وصف ل «الذين لا يؤمنون» (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ) هي «فعلة» من «جزى يجزي» مثل «العقدة» و «الجلسة» ، وهي عطية مخصوصة ، كأنها جزاء لهم على بقائهم على الكفر ، أو جزاء للمسلمين عوض حمايتهم لهم ، فإن الذمي في بلاد الإسلام يكون محترم المال والنفس موفّر الحرمة والكرامة (عَنْ يَدٍ) أي يسلمونها بأيديهم ، كما يقال : «كلمته وجها بوجه» (وَهُمْ صاغِرُونَ) أي أذلاء من «الصغار». إن أهل الكتاب حيث انحرفت عقيدتهم حتى جعلوا الخرافة في معتقدهم ، وحيث حرفوا كتبهم حتى نسبوا الزنا والكفر وشرب الخمر والقسوة وشبهها إلى أنبيائهم ، وحيث هدموا نظم الله سبحانه ليجعلوا مكانها أنظمة مخترعة ، استحق الإسلام أن يشعرهم بشيء من الذلة ليتركوا الباطل إلى الحق ، فإن الإنسان لا يرضى أن يبقى ذليلا ، لكنه احترمهم حيث أقرّ بهم وسمح لهم بالبقاء تحت ظله ، باحترام اسم الكتاب ، وهذا الإذلال لا ينافي الحرية في شيء ، أرأيت من ينحرف في سلوك أو أخلاق هل يستحق ما يستحقه المستقيم؟ وليس الميزان في تقييم الإنسان الذي يراعي جهتي المادة والروح واقعا ، هو النظر إلى صورته البشرية ، بل الصورة والسيرة ، فمن انحرفت سيرته لم تنفعه صورته. فهرب بعض المفسرين ومن إليهم عن الحكم على طبق هذه الآية أو ما أشبهها خروج عن الواقع الإسلامي ، كما هو خروج عن الموازين البشرية الرفيعة التي تجعل للروح قسطا في تقييم الإنسان كما أن للبدن قسطا.