(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) النجاسة في الشريعة هي القذارة التي توجب الغسل للشيء الذي يباشره برطوبة ، وهذه النجاسة قد تكون لأضرار خارجية كالبول والغائط ، وقد تكون لأضرار معنوية كالكافر ، فإنه وإن كان نظيف الجسم إلا أن معتقده الباطل أوجب الحكم بنجاسته. وذلك خير وقاية للمسلمين من أن يتلوثوا بعقيدته ، فإنهم إذا عرفوه نجسا حتى أنه يجب الاجتناب عنه في المأكل والملبس وأنه مهما باشر شيئا برطوبة تنجس فورا منه ، اجتنبوا عنه ، فلا يتعدّى إليهم ما انطوى عليه من العقيدة الباطلة ، وهو ـ بدوره ـ إذ يعرف أنه عند المسلمين نجس لا بد وأن يسأل عن السبب ويريد إزالة هذه الوصمة ، ولدي تحقيق ذلك تظهر له خرافة معتقده مما يدعوه أن يتركها ويعتقد بالعقيدة الصحيحة. فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ ____________________________________ وهناك بعض المتفلسفين يقولون : كيف يحكم بنجاسة إنسان ، ولزوم الاجتناب عنه ، لمجرد انحراف عقيدة ، وهذا مناف لحرية الآراء؟ والجواب : إنه كيف يحكم بالاجتناب عن إنسان لمجرد أنه مصاب بالجذام ونحوه ، لمجرد انحراف مزاج ، وهذا مناف لكرامة الإنسان ، فإذا كان الخوف على الجسم يبيح الاجتناب فالخوف على الروح أولى بالإباحة. (فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ) والمراد : عدم دخوله ، والمسجد الحرام من باب المورد ، فإن عليا عليهالسلام أمر بحكم الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم أن ينادي : «لا يحج بعد هذا العام مشرك» (1). وإن قيل : فكيف دخل وفد نجران مسجد الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم؟ نقول : إنه قبل نزول هذا الحكم ، فإن الأحكام نزلت تدريجا ، أما القول بأن النصارى ليسوا بمشركين. فهو خلاف قوله تعالى : (سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (2) ، وقوله : (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ) (3) ، وقوله : (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ) (4). (بَعْدَ عامِهِمْ هذا) في السنين المقبلة (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً) أي فقرا ، فقد كان المنع عن المشركين يضر باقتصاد أهل مكة حيث أن كثيرا من وارداتهم كانت من الحجاج المشركين (فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ __________________ (1) وسائل الشيعة : ج 13 ص 400. (2) التوبة : 31. (3) المائدة : 74. (4) المائدة : 117. مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28) قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ____________________________________ مِنْ فَضْلِهِ) وقد وفى سبحانه بما وعد ، فقد أسلم أهل اليمن وحملوا إليهم الميرة والطعام عوض المشركين ، كما أسلم أهل الآفاق وحجوا وأغنوا أهل مكة أكثر من إغناء المشركين. أما هذه الأيام فإن آبار الذهب الأسود قد أوصلت مستواهم الاقتصادي إلى علوّ مدهش (إِنْ شاءَ) للدلالة على أن الأمور بيده سبحانه ، ولسوقهم إلى رجائه والسؤال منه والخضوع والضراعة إليه. (إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ) بالمصالح ، فإن منعه عن حج المشركين إنما هو عن علم (حَكِيمٌ) يضع الأمور في مواضعها ويأمر بها حسب المصالح الكامنة ، وإن لم يعرف الناس تلك المصالح فورا.