۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة التوبة، آية ٢٥

التفسير يعرض الآية ٢٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ ٢٥

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

ثم بيّن سبحانه مصداقا من مصاديق إتيان الله بأمره ، بعد ما اختار المسلمون الحياة ، وفرّوا من الله والرسول ، في وقعة «حنين» التي كانت قريبة إلى مشاعرهم وأفكارهم عند نزول هذه السورة. وقصة هذه الغزوة باختصار : أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما فتح مكة خاف الكفار الذين كانوا مبثوثين في الجزيرة أن يأتي الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على آخرهم فاجتمع هناك جموع كثيرة من هوازن وغيرها ربما بلغ عددهم ثلاثين ألفا ، وساقوا معهم أموالهم ونساءهم وذراريهم ومروا حتى بلغوا «أوطاس» يريدون قتال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فبلغه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خبر اجتماعهم هناك ، فجمع القبائل ورغّبهم في الجهاد ووعدهم النصر وأن الله وعده أن يغنمهم أموالهم ونساءهم وذراريهم ، فرغب الناس وخرجوا كل قبيلة وفئة تحت راية ، وعقد اللواء الأكبر للإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام وخرج صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في اثني عشر ألف رجل. فلمّا صلّى الغداة انحدر في وادي حنين والجو لا زال مظلما ، وقد كانت هوازن قد سبقوا المسلمين من الليل وكمنوا في أطراف الجبال ، وحنين واد كثير الانحدار ، فلما انحدر جيش الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الوادي ، وقد كان أول من انحدر بنو سليم معهم خالد بن الوليد ، وكانوا غافلين عن اختفاء هوازن ، وإذا بهم يرشقون بالسهام كقطر المطر من كل جانب دون أن يروا أحدا وظهرت كتائب هوازن من كل ناحية ، فانهزم بنو سليم ، وكسرت بانكسارهم سائر جيوش الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفروا صعدا في الجبال والوديان ، وبقي الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمير المؤمنين وجماعة يعدون بالأصابع من أولاد العباس وغيرهم. ____________________________________ وأخذ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ينادي : يا معشر الأنصار إليّ وأنا رسول الله. وقد التفت كتائب هوازن به يريدون قتله والإمام يضرب بالسيف يمنة ويسرة ، فلم يبق من المسلمين أحد فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للعباس : اصعد هذا الطرب وناد : «يا أصحاب سورة البقرة» و «يا أصحاب بيعة الشجرة» إلى أين تفرون هذا رسول الله؟ وقد كان العباس رفيع الصوت ، ثم رفع يده فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اللهم لك الحمد ، وإليك المشتكى ، وأنت المستعان ، فنزل جبرائيل فقال : دعوت بما دعا به موسى حيث فلق الله له البحر ونجاه من فرعون ، ثم أخذ كفا من حصى فرماه في وجوه المشركين قائلا : «شاهت الوجوه ، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال : اللهم إن تهلك هذه العصابة لم تعبد ، وإن شئت أن لا تعبد لا تعبد» ، فلما سمعت الأنصار نداء العباس عطفوا وكسروا جفون سيوفهم وهم يقولون : لبيك ، ومروا برسول الله واستحيوا أن يرجعوا إليه. فالتحقوا بالراية ونزل النصر من السماء وانهزمت هوازن وكانوا يسمعون قعقعة السلاح في الجو ، ولما فر الكفار غنم المسلمون غنائم كثيرة من أموالهم ونسائهم وذراريهم ، وقسمها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (1). أقول : المراد ب «أصحاب سورة البقرة» إشارة إلى قوله تعالى في سورة البقرة : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى) (2) ، الذين طلبوا __________________ (1) بحار الأنوار : ج 21 ص 149. (2) البقرة : 247. لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ (25) ____________________________________ جهاد الكفار ثم (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا) (1) يعني : أنكم أيها المسلمون صرتم كأولئك ، والمراد ب «أصحاب بيعة الشجرة» أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين صلح الحديبية اتكأ على شجرة وبايع المسلمين من جديد ، ليمتثلوا أوامره ، كأنه ما كانت كما قال سبحانه : (إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) (2). (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ) أيها المسلمون (فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ) في بعض الأخبار أنها كانت ثمانين (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ) أي : ونصركم في يوم حنين ، وتخصيصه بالذكر لأنه لو لا نصرة الله سبحانه لم يكن لهم نصر حسب الظاهر بعد فرارهم وانهزامهم (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ) فإنه لم يتفق لجيش المسلمين أن يكونوا اثني عشر ألفا قبل ذلك ، وقد قال بعضهم : لن نغلب اليوم من قلة ، لما رأوا من كثرتهم المدهشة في الجيش (فَلَمْ تُغْنِ) الكثرة (عَنْكُمْ شَيْئاً) أي لم تفدكم الكثرة (وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ) أي برحبها وسعتها ، و «الباء» بمعنى مع ، أي مع كونها وسيعة فسيحة ضاقت عليكم ، فإن الإنسان إذا خاف ، يرى في نفسه ضيق الأرض ، بالإضافة إلى أنهم لم يجدوا موضعا للفرار ، لاحتمال وجود العدو في كل مكان (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) أي انهزمتم من عدوكم ، وأعطيتم أدباركم للعدو ، وقد كان الخطأ من المسلمين __________________ (1) البقرة : 247. (2) الفتح : 19. ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها ____________________________________ أنهم لم يثبتوا أول الأمر ، فإن الثبات أول الأمر خليق بأن يكشف النازلة ، كما أنهم أخطئوا حين اغتروا بكثرتهم ، فإن الإنسان إذا رأى كثرة من معه تقوى فيه روح الاتكالية ، وذلك خليق بانهزامه. ثم إن مقدمة الجيش لم تتخذ احتياطاتها اللازمة ، فإن دخول مثل هذا الموضع مما يحيط به الجبال يحتاج إلى إرسال بعض القوات الاستطلاعية.