ثم ذكر سبحانه قصة جماعة تخلفوا عن الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ثم لحقوا به ، أو تابوا بعد ذلك. فقد ذكر الرواة أن عبد الله بن خيثمة تخلف عن غزوة تبوك إلى أن مضى من مسير رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم عشرة أيام ، ثم دخل يوما على امرأتين له في يوم حار في عريشين لهما قد رتبتاهما وبرّدتا الماء وهيأتا له الطعام ، فقام على العريشين ثم قال : سبحان الله ، رسول الله قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، في الفتح والريح والقرّ يحمل سلاحه على عاتقه ، وأبو خيثمة في ظلال باردة وطعام __________________ (1) بحار الأنوار : ج 22 ص 42. ____________________________________ مهيأ وامرأتين حسناوين ، ما هذا بالنصف. ثم قال : والله لا أكلم واحدة منكما كلمة ولا أدخل عريشا حتى ألحق بالنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم. فأخ ناضحه واشتد عليه وتزوّد وارتحل وامرأتاه تكلمانه ولا يكلمهما. ثم سار حتى إذا دنا من تبوك قال الناس : هذا راكب على الطريق. فقال النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : كن يا أبا خيثمة أولى لك ، فلما دنا قال الناس : هذا أبو خيثمة يا رسول الله ، فأناخ راحلته وسلّم على رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : أولى لك. فحدثه الحديث ، فقال له خيرا ودعا له. وهو الذي زاغ قلبه للمقام ثم ثبّته الله (1). ونقل الرواة : أن ممن لقي العسر في هذه السفرة أبا ذر الغفاري رحمهالله فقد كان جمله أعجف تخلف به في الطريق حتى أنه لحق بالرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم بعد ثلاثة أيام ووقف عليه جمله في بعض الطريق فتركه وحمل ثيابه على ظهره ، فلما ارتفع النهار نظر المسلمون إلى شخص مقبل ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : كن أبا ذر فقالوا : هو أبو ذر. فقال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : أدركوه بالماء فإنه عطشان. فأدركوه بالماء ، ووافى أبو ذر رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ومعه إداوة فيها ماء فقال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : يا أبا ذر معك ماء وعطشت؟ فقال : نعم يا رسول الله بأبي أنت وأمي انتهيت إلى صخرة وعليها ماء السماء فذقته فإذا هو عذب بارد ، فقلت : لا أشربه حتى يشربه حبيبي رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم. فقال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : «يا أبا ذر رحمك الله تعيش وحدك ، وتموت وحدك ، وتدخل الجنة وحدك ، يسعد بك قوم من العراق يتولون __________________ (1) بحار الأنوار : ج 21 ص 202. لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ ____________________________________ غسلك وتجهيزك ودفنك» (1). (لَقَدْ تابَ اللهُ) أي تحنّن ولطف ، فإن «تاب» لغة بمعنى : غفر ، وبمعنى : رجع بفضله (عَلَى النَّبِيِ) وما ورد في بعض الأحاديث «بالنبي» إنما أريد به نفي كون معنى التوبة بالنسبة إلى النبي صادرة عن عصيان (وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ) فهم بين من يستحق المغفرة لمعصية صدرت عنه ، وبين من يستحقها تفضّلا (الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ) أي اتبعوا النبي (فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ) أي وقت صعوبة الأمر ، وذلك في غزوة تبوك ، فقد كانوا في صعوبة من جهة المركب ، ومن جهة الماء والزاد ، ومن جهة الحر ، ومن جهة التعب للسفر الطويل ، ومن جهة الخوف من الأعداء ، فقد كان العشرة منهم يتراوحون على بعير وزادهم الشعير المسوس ، والتمر المدود ، والإهالة السنخة «وهو ما أذيب من الشحم المتغير الريح» ، وكانوا يمصون تمرة واحدة ، وهم جماعة كثيرة ، يخرجها هذا من فيه فيمصها الآخر وهكذا حتى لا يبقى إلا النواة (مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ) يميل وينحرف (قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ) عن الجهاد ، فأرادوا البقاء في المدينة أو بقوا ثم لحقوا بالرسول كأبي خيثمة. (ثُمَّ تابَ) الله (عَلَيْهِمْ) من بعد ذلك الزيغ والانحراف (إِنَّهُ) __________________ (1) بحار الأنوار : ج 22 ص 429. بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ____________________________________ تعالى (بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ) فلا يؤاخذهم بما كسبت قلوبهم ، وبما عملوه من الكسل والمطل.