(وَ) لقد تاب الله (عَلَى الثَّلاثَةِ) أشخاص (الَّذِينَ خُلِّفُوا) عن غزوة تبوك ، كأن الشيطان خلّفهم وهم من تقدم ذكرهم مفصّلا في قوله سبحانه : (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ)(حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ) «ما» مصدرية ، أي : مع رحبها ـ بالضم ـ وسعتها ، ضاقت عليهم لأن الناس قاطعوهم بأمر الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم والإنسان إذا قاطعه الأصدقاء تضيق نفسه ، حتى يظن أن الأرض ضيقة لا مجال له فيها (وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ) كأنهم لم يجدوا لأنفسهم موضعا يخفونها فيه ، وهذا كناية عن شدة غمّهم. ولعل وجه (ضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ) أن الإنسان إذا غمّ غمّا شديدا تسخن شرايينه وأعضاؤه ، فلا يكفي النّفس المجذوب لتبريدها ، فيحسّ بأن نفسه قد ضاقت ، لأنها لم يصل إليها الهواء الكافي. (وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلَّا إِلَيْهِ) أنه لا موضع للفرار من سخط الله سبحانه إلا إليه نفسه تعالى ، فإنه سبحانه قد أحاط بأقطار الأرض وآفاق السماء فكيف يمكن الفرار منه إلا أن يتوجه الإنسان إليه بالتوبة والاستغفار ، ولعل الإتيان بلفظة «الظن» هنا لإفادة الحالة النفسية للإنسان المجرم حيث أنه لا يفكر في الملاجئ الممكنة ، فهو يتردّد بين هذا أو ذاك ، وإن ترجّح في نفسه الملجأ الحقيقي وهو الله تعالى. ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) ____________________________________ (ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ) أي تاب الله عليهم ورجع إليهم بعد أن أعرض عنهم بقبوله توبتهم في التخلف عن تبوك (لِيَتُوبُوا) أي يرجعوا إلى حالتهم الأولى قبل المعصية ، فيكون لهم ما للمسلمين لا يقاطعون ولا ينبذون (إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ) مبالغة في «التائب» ، فإنه سبحانه كثير الرجوع إلى عباده إن رجعوا إليه ، وليس ككبرياء الناس حيث أنه إن قطعوا عن أحد لا يعودون إليه ، ولو عادوا لم يتكرر ذلك منهم مرات ومرات ، فالإنسان مهما عصى وتاب ، قبل الله توبته إذا كانت توبة نصوحا ، وإن نقض التوبة قبل ذلك ألف مرة (الرَّحِيمُ) يرحم العباد ويتفضل عليهم بلطفه ، فليست توبة مجردة ، وإنما مع التفضيل والتكرّم. لقد كان هؤلاء الثلاثة المتخلفون ـ كعب ومرارة وهلال ـ أرجئوا ، في الآية السابقة (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ) ثم تاب الله عليهم هنا ، وكان في كلا الأمرين أبلغ حكمة ، وخير تأديب وموعظة. وهنا كلمة لا بد من بيانها وهي أن الناظر في الآيات يرى أن بعض العاصين كان الله والرسول يعفوان عنهم كهؤلاء ، وبعضهم يبقون موضع السخط والغضب ك «ثعلبة» الذي تقدمت أحواله ، إن هذا يكشف عن الفرق بين العصاة ، فمن أصلح منهم وطهر قلبه استحق العفو والغفران ، أما من أبدى التوبة وقلبه ملوّث بالذنوب والنفاق ، فلم يكن تنفعه الندامة ، ولذا كان مطرودا من رحمة الله ، وقد بيّن سبحانه أن قبول التوبة مشروط بالطهارة والنقاء ، كما في قوله تعالى : (ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا) (1) ، وغيرها من الآيات. __________________ (1) المائدة : 94. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ____________________________________